لغط كبير وضجيج بلا طحين ، أثاره واحد من قدامي الإعلاميين عندنا ، حول اعتبار أهلنا الذين قُتلوا في غزة شهداء أم قتلي ، وقال بسلامته بأنهم قتلي ، وتبع هذا التصريح الأرعن موجات غضب عارمة ، مُتهمةً صاحبه بالتصهين والعمالة والأمركة والخيانة ، وكفي ، دون مناقشة جادة وحاسمة ومنطقية لهذا التصريح المُغرض والمُغالط !!.
دينيّاً ، وردت لفظة ( شهيد ) في القرآن الكريم في عشرين موضعا ، لم تأت في موضع واحد منها بمعني مَن مات في معركة ، ولا في سبيل الله ، ولكن القرآن الكريم استخدم تعبير ( القتل ) في كل تلك الحالات [ ولاتحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء – ومن يُقتل في سبيل الله – فيَقتلون ويُقتلون ] حتي حين تعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال [ أفإن مات أو قُتل ] ، والنبي نفسه قال يوم أحد [ قتلانا في الجنة ، وقتلاهم في النار ] ، ولم يقل شهداء !!.
وكل الأحاديث التي وردت بهذا التعبير مكذوبة ، ودخيلة ، ولم يقل بها النبيّ ، كما لم يرد في الشعر العربي – لا قبل الاسلام ولا في زمن النبوة ولا حتي الخلفاء الراشدين – هذا اللفظ ، بمعناه الذي نستخدمه اليوم !!.
وكان أول استخدام لهذا التعبير في القرن السادس الميلادي ، ثم عم وانتشر في القرن الثاني عشر ، ومع توسع الفتوحات الإسلامية ، ثم استقر في العقل الجمعيّ الإسلاميّ من وقتها وحتي اليوم بمفهومه المتداول ، وهو معني اصطلاحي دلالي توافقي ، أكثر منه لغوي !!.
وأصبح كل مَن يتبني قضية عادلة ، ويموت في سبيلها شهيداً ، سواء في معركة مع العدو ، أو حتي دفاعاً عن حقه المشروع ، وطناً أو عِرضاً أو عقيدة أو حتي ملكية خاصة !!.
وصار هذا عُرفاً ، والعُرف دين ، ويأمر الدين بالأخذ به [ خذ العفو ، وأمر بالعُرف ، وأعرض عن الجاهلين ] !!.
وغضبي من هذا الاعلامي الأخرق ، أنه أطلق هذه التصريحات الرعناء في غير موضعها ، ولا وقتها ؛ فإذا كنا أطلقنا لفظ ( شهيد ) علي البلطجية الذين حرقوا السجون ، وقتلوا ضباط الشرطة وسقوهم مية نار ، أفنبخل به علي أهلنا الضحايا الصابرين المنكوبين في غزة !!.
وإذا كنا لم ننقذهم من توحش العدو ، ولم نوقف آلة إهراق دمائهم الذكية ، أنضن عليهم بلقب ( شهيد ) !!.
وما أحقر إعلامنا حين تسيره الأهواء والأمزجة والتبعية والدولارات ، فكما أن الست مني الشاذلي رفضت أن تُسمي العسكري الغلبان الذي يُقتل أثناء خدمته شهيد ، فيأتي هذا الإعلامي الخرف ليمارس نفس الوضاعة مع أهل غزة !!.
وقل لي بالله عليك – أيها الإعلامي العجوز المخرف – إذا كان أهل غزة الذين يذوقون كل أشكال القهر والجوع والتشريد ، حتي اهتزت لهم قلوب العالم كله ، إذا كان هؤلاء الضحايا ليسوا شهداء ، فمَن الشهداء إذن ، هداك الله !!.










