ها قد افترقتما ، وسال كحل عينيكِ مثقلاً بالدموع لياليَ طوالاً،تقررين النسيان،تمحين كل آثاره التي تحاصرك، من القميص إلى عقب السيكار ،لكن وجهه يأبى الرحيل، ملامحه تطاردك ،فجأة بدا لك بائع الملابس يشبه لون عينيه ،لكن كيف لم تنتبهي لهذا الشبه في الماضي؟!، مديركِ في العمل يُذكرُك بقوامه ومشيته ،عجباً هل جننتِ أم بينهما شبه بالفعل!!
ذلك العازب بعد أن قرر هجر العزوبية والليالي الملاح وصار جاهزا ليضع خاتم الزواج في بنصره ،لكن بحثه طال عن شريكة الحياة المناسبة حتى بات الموضوع يؤرقه، بدا يلحظ أنه كالقرد الوحيد المنبوذ في حديقة الحيوان وكل الرجال في الشارع ،في السوق،في المقاهي ،لديهم زوجات رائعات ،عجبا أين اختفى العزاب أمثاله؟!، فالجميع إما متزوج أو سيتزوج .
تلك السيارة التي اعجبتك وقررت أن تشتريها، لكن ماتحت يدك لايكفي الآن، وعليك الانتظار ثلاثة أشهر ،فجأة بدأت تظهر لك في كل مكان، بطل الفيلم الذي تشاهده يقودها، جاركم الثامن الذي لم تسلم عليه منذ ثلاث سنوات مر صباح اليوم من أمامك راكبا تلك السيارة بنفس اللون الذي تريد، وها هو يُلوح لك بالسلام !!!! ، زوجتك تخبرك على الغداء بأن ابن عم خالة زوجة زميلها في العمل اشترى تلك السيارة، وكانت رائعة ،ما الذي يحدث؟!!!!، لِمَ تحاصرك اخبار تلك السيارة اللعينة في كل مكان!!
لاشيء غريب يحدث ، لاجديد، بل إنه كان يحدث كل يوم لكنك لاتراه .
ببساطة لاتوجد صُدف في هذه الحياة، بل كل شيء محسوب بدقة متناهية.
(وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر) منبع الحكمة علي بن أبي طالب .
حين نفكر في أمر ما نبدأ نشاهده كثيرا،لماذا؟
ببساطة إنها ظاهرة الإنتباه الإنتقائي (selective attention) أو التأكيد التكراري .
هي جزء من ظاهرة كبيرة تسمى (التحيز التأكيدي الإدراكي).
عندما تفكر في شيء محدد ويشغل بالك يبدأ دماغك بتفعيل انظمة ادراكية تجعلك تنتبه تلقائيا لكل مايتعلق به ، مع أنها كانت موجودة من قبل أمام ناظريك دوما.
دماغك يتبنى مهمة البحث عما يَشغلك فقط ويتجاهل الأشياء الأخرى.
(نظام التنشيط الشبكي) داخل الدماغ وظيفته هي تصفية المعلومات التي تَصلك من المحيط الخارجي(سمعية،بصرية،حسية) فيختار ماهو مهم بالنسبة لك بناءً على ماتفكر فيه ويشغلك، ويدفعه لعقلك الواعي، فتبدأ بملاحظته ورؤيته، ويتجاهل مايعتبره غير مهم ،وهذا نسميه احيانا (العمى العقلي) فعيناك تبصران ، لكن كأنك لاترى ، لأن نظام التنشيط الشبكي في دماغك يوجه الرصد فقط لما تفكر فيه أنت وتُركز عليه.
بماذا يذكركم عمل الدماغ هذا؟!!
نعم ،تماما،إنها الخوارزميات .
لم يبتدعوا خوارزميات مواقع التواصل ولم يختلقوها،بل فقط استعملوا طريقة عمل الدماغ البشري في تصفية المعلومات المهمة المناسبة للفكرة التي نُركز عليها.
تتوقف ثواني أمام محتوى معين ،ترصد الخوارزمية اهتمامك ، فتنهال عليك عشرات المحتويات المشابهة .
وهنا سأخترع أنا مقولة بهذا الخصوص.
(أخبرني ماذا يظهر لك في مواقع التواصل ،سأخبرك من أنت وماالذي يشغلك)
علماء فيزياء الكم أخبرونا بشيء مرعب حقا ،حين رصدوا بتجاربهم حركة الألكترونات، وجدوها تُغير من مسارها حسب التوقع الذي يدور في عقل العالِم المُراقِب لحركتها،واطلقوا عليها (ظاهرة المُراقِب).
هذا يعني أن ماتفكر فيه وتتوقع حدوثه سيحدث بالفعل.
شيء مخيف…
ببساطة وخلاصة القول :الكون يُقدِم عشرات الإحتمالات في كل لحظة، وتركيزك فقط هو من يحدد أي واحد منها سيصبح حقيقة .










