تُعدُ رواية “غواية ظل”، الصادرة حديثا عن “بيت الحكمة” بالقاهرة (٢٠٢٤م)، هي الرواية الثالثة للكاتب الكبير المبدع محمد عطية محمود، الذي يُحلّق في سماء الأدب بجناحي الإبداع والنقد معا؛ فهو روائي وقاص وناقد جمالي واعٍ، له ست مجموعات قصصية قصيرة، وما يقرب من عشرة كتب في نقد القصة والرواية، وثلاث روايات هي: دوامات الغياب، بهجة الحضور، وأخيرا “غواية ظل”.
وتُشكّل هذه الروايات – في تقديري – ثلاثية عن مدينته الأثيرة (الإسكندرية) وأجوائها وناسها وطقسها، وبالجملة إغواؤها له؛ فمن الغياب بدواماته، والحضور ببهجته، وإغواء ظلها، كلها متضافرة، تشكّل عوالم الإبداع لديه، هذا الإبداع الذي يسبر أغوار النفس الإنسانية في تقلباتها كافة، متكئًا على أرضية صلبة مشدودة إلى ميراث عظيم في الحكي والسرد القصصي، إضافة إلى موهبته الكبيرة.
يتجلى ذلك – على وجه الخصوص – في رواية “غواية ظل”، تلك التي تجسّد اغتراب الإنسان وتحولات الزمن والمكان وأثرهما في الشخصية الروائية، التي عبرت عن ذلك في حكيها، سرديًا، عبر التّعدد الصوتي (البوليفوني)، مونولوجًا وحلمًا وحوارًا مع الآخر، لتخرج لنا ما يعانيه إنسان ذلك العصر، وذلك عبر شخصيتين رئيستين يتوزع السرد بينهما على مدار الرواية.
إننا بإزاء عمل يمارس كاتبه التجريب الروائي الحداثي بامتياز، فهناك التشابك في العلاقات وأسرار الجسد وصراع الذات إزاء النفس والمجتمع، وعوالم الهامش وفضاءاته، وتنوع وتعدد الرواة وأساليب الحكي، والقهر والاغتراب، واللغة الشعرية. نحن هنا في معيّة ما يطلق عليه “ديمقراطية الحكي”، عبر الصوت السردي المتعدد، في مقابل ديكتاتورية السارد الأوحد (السارد العليم).
يتّخذ السرد في الرواية منحىً وجوديًا، مثيرًا قضايا فلسفية مثل سيطرة الغيب وضعف الإنسان إزاءه، وعجزه عن تفسير ما يحدث له، ولا يملك إلا التسليم بما يلقيه إليه عالم الغيب والقدر المحتوم، وهو ما يتضح في تلك اللغة الأقرب للغة المتصوفة والمتفلسفين، وذلك ما يرويه حلمي المتعلق بظلّ “أمل” حبيبته القديمة في صورة أختها التوأم “زهرة”
” كيف نحاول تفسير ما لا يفسر، ويترك دائما لذاته كي يفسر ذاته، كما بدأ من رحم الغيب لغزا فإنه يُستولَد مرة أخرى، أو يبعث كما بدأ عصيّا على الإدراك الواعي والفهم، ولا نملك له غير تلك الانتباهة من بعد عدم، من بعد كمون في سنوات الغياب” (الرواية: ص ٤٢).
وهنا يبدو السرد المونولوجي مسيطرًا على الراويين الرئيسين: حلمي وزهرة، على الرغم من الفقرات الحوارية الممتدة بينهما على مدار الرواية، بالإضافة إلى لغة التساؤل التي تغلف حكيهما، هذا التساؤل المحير، فلست له إجابة، إنه تساؤل لشخص يتعلق بالمستحيل، متعلق بما هو بعيد كنجوم السماء، بما هو عضي على التحقق. تتساءل زهرة، ياردة ما حدث لها من تقلبات صروف الدهر، وفشلها في زيجتها وطلاقها، ثم لقائها بحلمي، الذي وقع من قبل في حب أختها أمل قبل وفاتها: ” هل من الجائز أن يعود المحلقون بأرواحهم، في فضاء الدهشة والانتشاء وغمرة المغامرة وحلاوة الشدهة في الرقصة الوحيدة التي تبلغ بها الروح معارجها، إلى أرض صلبة عنيدة تؤلم أجسادهم التي كانت فقدت جاذبيتها، ودخلت في سرمديات مشتهاة من الخفة المتناهية.. يتلاشى معها وعي بعالم يضج بأسئلة الضجر والفتور؟!! هل يتبخر دوما ذاك الأمل المتجسد في عشق لا تُحد طموحاته، ولا يوقف سيلها حاجز ولا سد ولا أسئلة تناوش اليقين بشك مراوغ؟ هل كان إحساسا مطاردا بيقين أن ما تأتي به الأيام لا بد وأن يتوافق مع الوعد الذي قطعته الأرواح التي لم تعترض سبيلي يوما من قبل حتى هذه اللحظة الفارقة؟” (الرواية:٦١ ص وما بعدها). وغيرها من التساؤلات التي ترد على لسانها ولسان حلمي.
وتبدو سطوة الزمن غالبة على شخصيتي حلمي وزهرة، في هذه الرواية التي يمكننا نسبتها إلى الروايات الانسيابية بامتياز؛ فالشخصيتان الرئيستان تتناسلان في صورة الأبناء، فأمل حبيبة حلمي القديمة سمّت ابنها على اسمه (حلمي)، قبل وفاتها، وزهرة سمّت ابنتها التي أنجبتها في الكويت “أمل”، وذلك قبل طلاقها، وذلك يدل على حضور هذه الشخصيات وملازمتها الدائمة للبطلين الرئيسين، فكأن الأيام والأحداث تعيد نفسها. إنها بمثابة الحلق المفرغة التي تدور فيها الشخصية المغتربة، ولقد عبر حلمي عن ذلك بقوله: “فالزهرة هي الأمل، والأمل يزهر أو يأتي في صورة تفتح الزهرة” (الرواية ٢٣).
على صعيد المكان يبدو اتكاء الكاتب على ما يطلق عليه “تصادم الفضاءات”، فهناك أماكن مغلقة وأخرى مفتوحة، بحسب تقسيم يوري لوتمان في “بنية المكان الفني”، فالفضاء المغلق يبعث على الحزن والكآبة والعزلة والاغتراب، أما الفضاء المفتوح فيوحي بالتفاؤل والبهجة والاندماج. وفي “غواية ظل” تسود أوصاف للمكان المغلق، بحيث يتبدى الاغتراب المكاني ظاهرًا في وصف الشخصيات له وشعورها إزاءه بالعزلة والغربة، وذلك ما تعبر عنه زهرة قائلة: ” صارت كل الأماكن بالنسبة لي براحًا متعددًا ومهربًا إلى اللامكان، لا يفرق معي كثيرًا سوى انجباسي فيها، وعدم قدرتي على الاستمرار في مكان واحد لفترة طويلة” (الرواية: ص ٢٦). وبالمثل نجد هذا الاغتراب المكاني مسيطرًا على حلمي، وذلك بعد عودته من سُفرته إلى دولة الكويت التي قضى فيها ما يقرب من عشرين سنة، فأيقن أن ملاذه وأنسه سيكون في الإسكندرية بأماكنها وشوارعها وبحرها، لكنه لم يجد إلا التيه ” لم يفعل البحر إلا أن لفظني أو دفعني إلى مرفأي القديم. كان عليّ أن أعود رلى طقوسي القادرة على إشعاري بالتشبع بتأمل وحدتي – الذي أجيده – فقد يعطيني قراءة وافية لكل الأحوال، برغم أنها تجعلني أدخل منها منهزمًا أو منتصرًا، أو في الغالب لا هذا ولا ذاك.” (الرواية: ص ١٦٠).










