مصر تؤكد دائما أننا قاتلنا فى حرب أكتوبر من أجل السلام الذى يعد خيارا استراتيجيا للدولة المصرية, فالحرب هى الاستثناء, وأن السلام للبناء والتنمية وهو الخيار الاستراتيجى, وكان الرئيس أنور السادات فى خطاب النصر يوم 16 أكتوبر 1973 قد أعلن الخيار الاستراتيجى للدولة, حينما قال: إننا حاربنا من أجل السلام الوحيد الذى يستحق وصف السلام وهو السلام القائم على العدل. إن عدونا يتحدث أحيانا عن السلام لكن شتان مابين سلام العدوان وسلام العدل, لسنا مغامرى حرب, وإنما نحن طلاب سلام, والسلام لايفرض, لأن ذلك يعنى التهديد بشن الحرب أو شنها فعلا, وسلام الأمر الواقع لايقوم ولايدوم.
ولأن بن جوريون هو صاحب نظرية فرض السلام على العرب, فإن تلميذه النجيب بنيامين نتنياهو يؤمن بهذه النظرية ويطبقها فى غزة والضفة والقدس وجنوب لبنان وبيروت, فهو يشن الحروب, ويقتل ويشرد المدنيين ويغتالهم, ثم يدعى أنه يسعى لتحقيق السلام!
وأصبح السلام خيارا استراتيجيا عربيا منذ عام 2002 عندما تبنت القمة العربية فى بيروت المبادرة التى أطلقها الملك عبد الله بن عبد العزيز عاهل السعودية التى كان وقتها وليا للعهد, والتى تقضى بانسحاب اسرائيل الكامل من الأراضى المحتلة بما فى ذلك الجولان وحتى خط 4يونيو 1967 مع التوصل لحل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وإقامة الدولة الفلسطينية, وذلك مقابل اتفاق سلام مع اسرائيل يحقق الأمن لجميع دول المنطقة, ويتم إنشاء علاقات طبيعية مع اسرائيل فى إطار السلام الشامل العادل.
مد العرب أياديهم بالسلام وجعلوه خيارهم الاستراتيجى, وبدأوا من جانبهم السير فى طريقه, وقامت عدة دول بتطبيع العلاقات دون أن تقدم إسرائيل تنازلا واحدا خاصة بعد أن عاد نتنياهو لرئاسة حكومة يمينية متطرفة لاتقبل إلا بإبادة العرب والقضاء على الفلسطينيين, فإذا كان العرب تقوم مبادرتهم على أساس أن الأرض مقابل السلام, فالسلام عند نتنياهو وعصابته العنصرية هو “أخذ كل شىء الأرض والتطبيع والسلام مقابل ترك العرب أحياء, وأن يعيش الفلسطينيون كمواطنين درجة ثانية فى دولة سياستها الفصل العنصرى” هذا هو السلام الذى يعرفونه ولايؤمنون سوى بالعدوان والسيطرة وإنهاء أى مقاومة للاحتلال”!
وعلى العرب أن يعلموا أنه لاسلام طالما ظل نتنياهو وعصابته اليمينية المتطرفة, وأن يؤمنوا أن السلام العادل لابد له من قوة تحققه وتحميه, وهو مافعلته مصر فى حرب أكتوبر حينما حاربت وانتصرت, وأجبرت العدو على قبول السلام, فإسرائيل لن تتنازل عن شبر من الأرض ولن تقبل بالدولة الفلسطينية, إلا إذا شعرت باتحاد العرب وقوتهم, واستمرت مقاومة الشعب الفلسطينى, وحولت حياة المحتل الاسرائيلى إلى جحيم, كما أن العالم لايحترم إلا من يأخذ حقه بيديه لأن ما أخذ بالقوة لايسترد بغيرها, وطالما تحقق اسرائيل مصالح الغرب فى المنطقة وتقوم بدورها فى ضمان سيطرة أمريكا مع حلفائها على الشرق الأوسط, فلن نسمع من الدول الغربية سوى كلام يؤيد خيار السلام وحل الدولتين, وبينما أفعالهم جميعا فى صالح العدوان الاسرائيلى وتبريراعتدائها على غزة وقتل الفلسطينيين وترحيلهم وتشريدهم وضرب جنوب لبنان وبيروت وتصفية قادة حماس وحزب الله بالاغتيال وعدم وصف كل ذلك بأنه جرائم حرب وإنما اسرائيل لها حق الدفاع عن نفسها.
اختار الرئيس أنور السادات حرب الكرامة وسلام الشجعان والدرس المستفاد: قوتك فى ذاتك وليست فيما يريده الآخرون, أو كمايقول جبران خليل جبران:”الحق يحتاج إلى رجلين أحدهما ينطق به والآخر يفهمه”.
شبابنا اليوم هل يعرفون شيئا عن معجزات صنعها شباب الجيش المصرى فى حرب أكتوبر المجيدة لقهر المستحيل؟ عن “مدافع المياه” التى أذابت خط بارليف, وقصة حياة المهندسين الذين اخترعوها وعلى رأسهم الضابط باقرزكى, وكيف نجحوا فى تصنيعها فى ألمانيا بحجة إطفاء حرائق البترول الهائلة؟ وكانت إسرائيل تزعم أنه لن يتم تحطيمه ولو بقنبلة ذرية.
إن لحظة العبور إلى سيناء وقرار الحرب الذى اتخذه قائد شجاع وحشود الجيش المصرى وهى تسطرتاريخا جديدا, كل هذه الأحداث بقيت فى ذاكرة مصر لأنها كانت بداية ميلاد جديد لأحلام جديدة.










