للأسف نحيا واقع المسرح الصادم والمتردي ، والسبب المباشر والفاعل في هجر الجمهور للمسارح واختزاله في المهرجانات تلك المجموعة المهيمنة المصرة على التأكيد على هوية غربية المسرح فكرا، والبعد به عن العربية التي حصروها فقط في اللغة، لم يراعوا تناسب التجارب الغربية مع شرقيتنا وعروبتنا ، بل واكبوها ومهدوا لها بمذبحة لكتاب المسرح واستباحة النصوص الأجنبية بل وبعض الأعمال العربية لمجاملة كتاب عرب بعينهم تحت مظلة من أكاذيب الإعداد والدراماتورج والرؤية ،حتى النصوص الفائزة في مسابقاتهم لم تنفذ كعروض ويكفيهم مكافأة الفوز .
لقد تحالف الإداريون المهيمنون والجاثمون على سدة المسارح وسط تهليل مفضوح للطبالين المرتزقة من دعاة النقد والصحافة الفنية ، فركبوا موجة المهرجانات التي اعتبروها المظهر الأساسي لتواجدهم واستمراريتهم ،وضاعت المواسم المسرحية والتمايز بين أدوار المسرح الذي اختطفوه واحتلوه استيطانيا ، وصارت مادة تربح وسبوبة للمتاجرة واستحلاب المسرح والعلاقات العابرة للدول تحت شعارات مهرجني أمهرجك كرمني أكرمك جيزني أجيزك حكمي أحكمك أدعيني أدعيك ، وبرزت ظاهرة جمهور العرض الواحد لليلة أو ليليتين من أقارب ونسايب وصاروا يمسرحوا لبعض وعلى بعض ويتفرجوا على بعض وللأسف كما قلنا تحت رعاية وعناية الإعلام المسرحي العليل بشقيه النقدي والصحفي الفني الخبري.
مباركين كل التجارب التي تمت واستهدفت النص وصولا لموت المؤلف وطغيان لغة التعبير الجسدي والحركي مع الإطاحة بالحوار مع النصوص الغير خطية التي لا تعترف بالبداية والوسط والنهاية وتسلسل الأحداث نتاج ورش الكتابة والارتجال لنصوص معقدة يكتنفها الغموض مع تراجع دور المخرج وإزاحته من مركز العمل أثرت سلبا على الجمهور وجعلته يفقد اهتمامه بالمسرح، وارتياد المسارح ومن العجب أن ثلة المسيطرين على مقاليد المسرح فرضت بكل رعونة وجبروت تلك الأشكال الصادمة بموضوعاتها المرفوضة لتعارضها مع ثقافة المجتمعات العربية ، لقد وصموا الجمهور بالسلبية وحاولوا بشتى الطرق إشراكه وطرحه عنوة على سرير بروكرست: Procrustean bed نسبة إلي الشخصية اليونانية بروكرست، حيث كان حداداً وقاطع طريق من أتيكا، وكان يهاجم الناس ويقوم بمط اجسادهم أو قطع ارجلهم لتتناسب أطوال أجسادهم مع سريره الحديدي، ويشير مصطلح مغالطة سرير بروكرست إلى فرض الرأي بالقوة علي المستمعين عن طريق قولبة الأفكار، كما يطلق عليها لفظ البروكرستية وتعبر عن أي نزعة إلى «فرض قوالب» جبرية على الاشياء (الاشخاص أو الافكار..) أو ليّ الحقائق أو تشويه المعطيات، وأن نفرض حقيقة ثم نبحث عما يدعمها، ونفسر المعطيات بما يطابق افتراضاتنا، لكي تتناسب قسراً مع مخطط ذهني مسبق، في ظل مباركة من أولئك المتشدقين بحوشي اللفظ والمصطلح وغريبه المقحم بلا أدنى تناسب أو قيمة أو فائدة في عملية نقد العروض بتهليل وتطبيل فاق كل الحدود ولكن التأثير السلبي كان مدمرا لتطفو على السطح وتسود ظاهرة المسارح الخاوية، أولئك الذي وصفهم المسرحي المغربي خالد أخازي بأنهم” أشباه مثقفين وكتبة من الأكاديميين ليسوا أكثر من مجرد زبال لغوي نقدي، يعيد تدوير ما أنتجه الغرب بلغة ملتوية ماكرة ليقع المسرح وجمهوره أسيرا على يد البروكستيين العرب” تلك المجموعة من المهرجاناتية المتشابكة المصالح، حتى أن ميشيل الراعي وصف المشهد الأكاديمي العربي أنه يعاني من تضخم المصطلحات وضعف المفهوم إذ يستدعي المنطق واللسانيات والسيميئات (العلامات والرموز) كزينة فكرية لا كأدوات تحليل يتحدثون عن أرسطو وستانسلافسكي كما لو كانا علامتين تجاريتين لا بنيتين قويتين ومالم يُدرس المنطق في كليات الفنون الجميلة لا بوصفه علما مجردا بل كآلية لتنظيم التفكير النقدي سيظل المسرح عندنا أسير انطباعات لا تحليلات ، إنني أقول أن أول درس ينبغي أن يتعلمه الباحث المسرحي هو أن المنطق ليس عدو الخيال بل شرطه الخفي فالمسرح بدوره حجة تُعرض على الخشبة وتنتظر استدلال الجمهور ومن لم يتقن بناء الحجة سيبقى ممثلا في الخطاب أكثر مما هو باحثا في المسرح.
لقد تعالوا على الجمهور مستوردين مقلدين تجارب مسرحية معقدة يكتنف الغموض عروضها، غربية وغريبة عن الجمهور دون التفكر والوقوف على تلائمها مع الجمهور العربي ،غير ساعين أو مهتمين بجذبه واكتفوا بثلة المتفيقهين نقديا المتبلبلين لسانيا ، ولم يراعوا حقه في المتعة والفن والفكر والارتقاء بأفكاره وتفاعله مع تلك العروض المزجاة فنيا وفكريا وأدبيا ، موضوعاتها أضغاث أحلام وهلوسات ،الواهمين ظنا منهم أن اللعب على عناصر فن تشكيل الصورة المسرحية( السينوغرافيا ) بصوامتها ونواطقها وحركاتها لإنتاج صورة صاخبة مبهرة مستعرضين مهارتهم الحرفية ،ولكن غالبا في غير توازن مع الكلمة أو النص المفترض بداهة أنه أساس العمل، ليبدو العرض متشتتا أو بالحفظ الذي يرددون كالببغاوات متشطيا ،وبرزت ظاهرة تعالي صناع تلك العروض على الجمهور، بل واتهامه بالجهل والقصور الثقافي واعتوار ذائقته حين يعبر عن رأيه أن العرض لا يعجبه ،ناهيك عن مطاردة النقاد الذين يكتبون بكل صدق وموضوعية بتهم جاهزية مثل الحقد الانطباع عدم التخصص كلاسيكية التفكير والعقلية .
لابد من مراعاة الجمهور تنوعه اختلافه ما بين حيوية تلقيه للنص وإنتاج المعنى وتأويله للعرض حسب ثقافته وذائقته وتعدد القراءات والمعاني، وتقبله أشكال التفاعل المباشر والحي ، والبعد به عن الأنماط التجريبية شديدة التعقيد المنفرة الطاردة للجمهور ، والبحث في الصيغ التي تزيد من إقبال الجمهور واسترداده وقاعدته الجمهور الرقمي جمهور النت .
مؤشرات نجاح العروض فنيا بحكم النقاد والجمهور بإقبال الجمهور، وللممولين أو المنتجين بالإيراد الفعلي المتحقق والأرباح، وللفنانين بتألقهم وإعجاب الجمهور بهم وتفاعلهم معهم ومع العرض ككل، وإعلاميا من خلال أقلام فنية نقدية محترمة لها مصداقيتها، ولكن إذا تناولت العرض أقلام المرتزقة أو السبوبة فلن يلتفت إليها أحد من الجمهور، وعلى العكس فقد تستفز الجمهور فيعرض عنها،
وإذا ما اجتمع له النجاح الفني والجماهيري فهذا هو النجاح الحقيقي، الجمهور مصدر للدخل والنجاح المسرح لا يكتمل بدون الجمهور على اختلاف أدواره ما بين المتلقي السلبي والمشارك في العروض التفاعلية، وصولًا إلى أن يصبح جزءًا من العرض نفسه في مسرح الشارع والمسرح الملحمي.
كم كنا نأمل من خير في الهيئة العربية للمسرح ،ولكن للأسف تم اختطافها على يد ثلة حادت بها عن طريقها، ولم تفلح جهودها المعلنة في إقالة المسرح من عثرته بل زادته تجريفا وتخريبا وهدما في ظلها على الرغم من جهودها وإعلامها، بل زادت في جراحه واختطفته تلك الثلة من الجمهور.










