الاخبارية وكالات
إنّ اختيار الولايات المتحدة لأردوغان كعنصر مركزي يُعد تهديدًا استراتيجيًا يتجاوز حدود قطاع غزة. هذه الخطوة تمنح الشرعية لطموحات تركيا الهيمنية في المنطقة، وتضع إسرائيل ومصر والسعودية أمام تحدٍّ مباشر مع محور الإخوان المسلمين الذي شرعنته واشنطن.
تمكّن تنفيذ المرحلة الأولى من خطة “النقاط الـ21” التي وضعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد التفاهمات التي جرى التوصل إليها بوساطة تركية-قطرية-مصرية، ويبدو أنه في إطار الضغط الذي مارسته الدول الثلاث الوسيطة على حركة حماس، أدّت تركيا الدور الأكثر تأثيرًا وأهمية.
المبادرة التي أطلقها وقادها الرئيس ترامب استندت إلى التزام كلٍّ من تركيا وقطر “بتقديم المطلوب” وفرض الموافقة على الحركة، مع تركيز الجهد على المرحلة الأولى التي تتضمن إعادة الرهائن الأحياء وانتشار قوات الجيش الإسرائيلي على طول “الخط الأصفر”، وهو ما يعني فعليًا نهاية الحرب.
عزمَ الرئيس ترامب على إنهاء الحرب التي استمرت عامين، إما لأنه توصّل إلى قناعة بعدم جدوى استمرارها – حتى من منظور المصلحة الإسرائيلية – أو خوفًا من أن تؤدي التصعيدات، خصوصًا بعد الغارة الإسرائيلية على الدوحة عاصمة قطر، إلى الإضرار بالمصالح الأميركية الحيوية في المنطقة. تصعيد كهذا كان يمكن، قبل أي شيء، أن يُفشل خطته لإعادة تشكيل البنية الإقليمية على أساس توسيع “اتفاقات أبراهام”. عمليًا، فرض الرئيس على الأطراف مبادئ الخطة، وترك تفاصيل تنفيذها للتفاوض لاحقًا.
الرئيس الأميركي أدرك أهمية تركيا وقطر بسبب نفوذهما على حركة حماس، ولذلك اختار وضعهما في الواجهة وإيكال مهمة إقناع قيادة الحركة إليهما. بهذا الاختيار، فتح ترامب الباب أمام تدخل تركي-قطري أيضًا في تنفيذ الخطة، وهو ما يعني وجودًا نشطًا وربما واسعًا لهما في قطاع غزة، ودورًا مهمًا في عملية إعادة الإعمار، بما في ذلك المساهمة في ضمان سير “نظام الوصاية” الذي يقوده توني بلير والمشاركة في قوة التثبيت الدولية. ومع ذلك، من المشكوك فيه أن يكون الرئيس قد أدرك التداعيات الخطيرة لهذه الخطوة على مصالح الوسيطتين في المنطقة عمومًا، وعلى التحدي الذي يواجه إسرائيل والدول السنية البراغماتية، وخصوصًا مصر والسعودية.
تركيا وقطر تدعمان كلتاهما جماعة الإخوان المسلمين، بما في ذلك حركة حماس، ومن ثم فإن الافتراض المنطقي هو أنهما ستعملان للحفاظ على مصالح الحركة الحيوية. وبالتالي يجب أن نأخذ في الحسبان أنهما ستسعيان للحفاظ على قوة التنظيم ومكانته كفاعل مؤثر في الساحة الفلسطينية، وتهيئة الظروف لسيطرته المستقبلية على كاملها، كبديل عن السلطة الفلسطينية لا كشريك لها.
وفيما يتعلق بتركيا، فالأمر أكثر خطورة. إن الطموحات الهيمنية للرئيس رجب طيب أردوغان، التي لا يخفيها — بتعزيز قبضة الأتراك على المنطقة وتوسيع نفوذهم فيها — تُعد تهديدًا فعليًا لإسرائيل ولمصر وللسعودية وللإمارات. إن تعمّق التورط التركي في قطاع غزة، بما في ذلك وجود ميداني هناك، إلى جانب التغلغل التركي في سوريا والعلاقة الشخصية الوثيقة مع الرئيس ترامب، سيسمح لأردوغان بدفع خطوات إقليمية مهمة أخرى تُقيّد حركات إسرائيل والدول السنية البراغماتية، وتهدد في الوقت نفسه المصالح الحيوية لكل من قبرص واليونان.
ورغم التهديد الكامن في تصاعد النفوذ التركي، يمكن أيضًا رصد فرصة معينة في هذه التطورات. فالرغبة التركية في توسيع تدخلها في قطاع غزة تتطلب موافقة وتعاون إسرائيل. العلاقة الخاصة والوثيقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، التي تقوم على الصلة الشخصية بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والرئيس دونالد ترامب، تتيح تنسيقًا حميمًا واستغلال النفوذ الأميركي لتخفيف التوتر في العلاقات بين القدس وأنقرة. لإسرائيل مصلحة أساسية في تحسين علاقاتها مع تركيا، وربما تحمل خطوة ترامب بوضع أردوغان في الواجهة فرصةً لتغيير إيجابي.
وعليه، فإن هذه هي لحظة القيادة الإسرائيلية، التي ينبغي أن تجد السبل لترسيخ التعاون مع السعوديين والمصريين، والعمل على إقامة محور قادر على كبح أو تقليص تأثير تركيا وقطر. من المهم أيضًا إيجاد طريقة لإقناع الرئيس الأميركي بالبقاء مركزًا وحازمًا في ما يتعلق بخطته، وإقناع الإدارة في البيت الأبيض بتفضيل المصالح الإسرائيلية والإقليمية على حساب تلك الخاصة بالأتراك والقطريين.










