الهواية تتسيد.. قراءة نقدية في هشاشة العروض المسرحية
شكلت الدورة الثالثة عشرة للمهرجان الوطني للمسرح الوطني بطرابلس، التي احتضنت فعالياتها العاصمة الليبية، مناسبةً متجددةً لتأمل المشهد المسرحي الليبي وتقييمه. لكن، وبعد متابعة دقيقة للعروض التي قُدمت خلال الفترة من الجمعة (24) إلى الإثنين (26) أكتوبر، يتضح أن المهرجان لم يكن محطة للاحتفاء بالإبداع بقدر ما كان كاشفاً لأزمة فنية وهيكلية عميقة تستدعي وقفة نقدية حادة وجريئة. فالغالبية العظمى من العروض عانت من ضعف فني صارخ، مما أثار تساؤلات جدية حول معايير الاختيار، ومستوى التأهيل الفني للمشاركين، ومستقبل الحركة المسرحية الوطنية.
#غياب النص المسرحي الجيد: ركيزة العرض المفقودة.
إن المسرح يبدأ من النص. وما شاهدناه يؤكد وجود فجوة هائلة بين الطموح الفني والمادة الأولية المقدمة. فقد كان الغياب التام للنص المسرحي الجيد هو السمة الأبرز. الأفكار إما مكررة أو سطحية، والمعالجات درامية هزيلة لا تمتلك عمقاً فكرياً أو بنية سردية محكمة. هذا الضعف في جوهر العمل انعكس مباشرة على مجمل العرض، حيث لا يمكن لأي إخراج أو أداء أن ينقذ نصاً ضعيفاً في الأساس. إن الحاجة باتت ماسة لورش عمل متخصصة في الكتابة المسرحية، وتشجيع كتاب النصوص المؤهلين بدلاً من الاعتماد على نصوص سريعة أو مرتجلة لا ترقى للمستوى الأكاديمي والاحترافي.
#أزمة الإخراج: تسيد الهواة وغياب الدراية
الكارثة الثانية تتجلى في عدم الإلمام والدراية بأسس الإخراج المسرحي. من الواضح أن أغلب المخرجين من الهواة الذين لا يعرفون أبجديات المسرح. الإخراج بدا مرتجلاً، يفتقر إلى الرؤية الفنية الموحدة، وتنظيم الفضاء المسرحي، واستخدام عناصر العرض بذكاء.
ضعف التكوين: يظهر أن العديد من المخرجين لم يتلقوا تعليماً أو تدريباً أكاديمياً كافياً في فنون الإخراج.
سوء إدارة العناصر: هناك خلط واضح بين مهام المخرج والهاوي، حيث تبدو حركة الممثلين عشوائية، وتوظيف الإضاءة والصوت بدائياً وغير وظيفي.
إن الإخراج المسرحي علم وفن، ولا يمكن تركه لغير المتخصصين، وإلا فإن النتيجة الحتمية هي عروض مشوهة تفتقر إلى أي قيمة جمالية أو فكرية.
#الانهيار الأدائي: ضعف الممثل وغياب الإقناع
أما الكارثة الأكبر فكانت في الضعف الواضح في أداء الممثلين. الأداء كان في غالبه أقرب إلى القراءة الآلية للنص، يفتقر إلى:
صدق الانفعال: غياب الإحساس الحقيقي بالشخصية والوضع الدرامي.
التقنية الأدائية: ضعف في الأداء الجسدي والصوتي، وعدم السيطرة على خشبة المسرح.
التفاعل الحيوي: كان التفاعل بين الممثلين مصطنعاً، مما كسر الإيهام المسرحي.
هذا الانهيار الأدائي يشير إلى غياب ورش عمل متخصصة في إعداد الممثل (الأكاديمي)، وضعف في منهجية البروفات، مما أدى إلى الغياب التام لعناصر العرض المتكاملة التي تشمل الإيقاع واللغة البصرية والموسيقى التصويرية.
#مغادرة الجمهور: الحكم النقدي الأقسى.
إن المؤشر الأكثر خطورة على فشل العروض هو مغادرة الجمهور القاعة لعدم الاقتناع بما يشاهد. المسرح فن يتغذى على تفاعل الجمهور وبقائه. عندما يقرر الجمهور الانسحاب، فهو يصدر الحكم النقدي الأقسى والأكثر صدقاً: أن العرض لم يقدم له ما يستحقه من إبداع وجودة. هذا دليل قاطع على أن العروض لم تنجح في خلق الحد الأدنى من التواصل الجمالي والفكري.
خاتمة: دعوة إلى المراجعة وتأصيل الاحترافية.
المهرجان الوطني للمسرح الوطني في طرابلس، بتاريخه ومكانته، لا يمكن أن يستمر كمنصة لعروض تفتقر إلى الاحترافية والأكاديمية. إن ما شاهدناه هو انعكاس لأزمة تحتاج إلى تطهير حقيقي في معايير المشاركة. لا بد من:
تشديد معايير الفرز: وإعطاء الأولوية للنصوص المكتملة والمخرِجين المتخصصين.
برامج تكوينية إلزامية: للممثلين والمخرجين تحت إشراف أكاديميين وفنانين محترفين.
الاعتراف بالهواية كجسر، لا كغاية: المسرح الوطني يجب أن يكون قمة الهرم الاحترافي.
دون هذه المراجعة الجذرية، سيظل المهرجان مجرد مناسبة شكلية، تزيد من إحباط الجمهور وتساهم في تدهور المشهد المسرحي الليبي بدلاً من تطويره. إن المسرح بالناس وللناس، لكن يجب أن يكون مسرحاً محترفاً يقدَّم بوعي وإتقان.










