كان تحقيق العدالة الاجتماعية مبررا جوهريا لإنشاء منظمة العمل الدولية ، كما أصبح – وما يزال – هدفا تسعى إلى تحقيقه فى جميع أنشطتها.
فيما يتعلق بكونه مبررا جوهريا لإنشاء المنظمة ، فقد ظهرت فكرة وجود تشريع دولي للعمل في فجر القرن التاسع عشر وعلى مدى هذا القرن تعددت المبادرات الرامية إلى إنشاء التشريع الدولي مما أدى إلى ترسخ الفكرة وتعمقها في عقول المفكرين والاقتصاديين والنقابيين، وزاد من أهميتها انتشار الثورة الصناعية وما صاحبها من وقوع الكثير من المآسي العمالية بسبب ما اتسمت به ظروف العمل من ظلم واجحاف لحقوق العمال، وما خلفّه ذلك من مشاعر السخط والحرمان لديهم. وقد ترتب على ذلك أن أصبح الاتجاه العام للتشريعات الاجتماعية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يرمى إلى تقييد السلطة لأصحاب العمل بموجب فرض الإجراءات الآمرة، وتطور الحماية القانونية لمختلف جوانب العمل.
ومضى القرن التاسع عشر وطويت معه صفحات كبيرة ، وجاء القرن العشرون الذى شهد فى عقدة الثاني أندلاع الحرب العالمية الأولى التى خلفت دمارا هائلا فى كثير من البلدان ، فضلا عن عشرات الملايين من الجرحى ومشوهى الحرب .
ولما وضعت الحرب العالمية أوزارها وتوقف هدير آلات الحرب ، فقد حرصت الدول المنتصرة فى الحرب على الاستجابة لتحقيق مطالب الاتحادات النقابية فى كل دول العالم بتضمين اتفاقية فرساى التى أسفر عنها مؤتمر السلام فى باريس ، بندا خاصا بالتشريع الدولى للعمل ، هو البند الثالث عشر من المعاهدة ، الذى نص على إنشاء منظمة دولية للعمل.
وقد تكفلت ديباجة الجزء الثالث عشر من معاهدة فرساي بيان المبادئ التي أوحت إلى واضعي نصوص هذا الباب بما تضمنه من قواعد ما يلي ” لما كان الغرض من عصبة الأمم إقامة السلام العالمي، وكان هذا الغرض لا يمكن تحقيقه إلا على أساس من العدالة الاجتماعية. ولما كانت هناك ظروف للعمل تنطوي، على الحاق الظلم والضنك والحرمان بأعداد كبيرة من الناس فتولد سخطا يبلغ من جسامته أن يعرض السلام والوئام العالميين للخطر، وكان من الملح تحسين الظروف المذكورة، وذلك مثلا ” بتنظيم ساعات العمل، بما في ذلك وضع حد أقصى لساعات العمل اليومية والأسبوعية، وتنظيم عرض العمل، ومكافحة البطالة، وتوفير أجر يكفل ظروف معيشة مناسبة، حماية العمال من العلل والأمراض، والإصابات الناجمة عن عملهم، وحماية الأطفال والأحداث والنساء، وكفالة معاش للشيخوخة، والإصابة، وحماية مصالح العمال المستخدمين في بلدان غير بلدانهم، وتأكيد مبدأ الأجر المتساوي عن العمل المتساوي، وتأكيد مبدأ الحرية النقابية، وتنظيم التعليم المهني والفني، وغير ذلك من التدابير، وكذلك ولما كان في تخلف أي أمة عن توفير ظروف عمل إنسانية عقبة تعطل جهود غيرها من الأمم الأخرى الراغبة في تحسين أحوال العمال داخل بلدانها، فإن الأطراف السامية المتعاقدة تقرر، مدفوعة بمشاعر العدالة والإنسانية، وبالرغبة في تحقيق سلام عالمي ودائم، وتطلعا منها إلى بلوغ الأهداف المحددة في الديباجة، إقرار دستور منظمة العمل الدولية التالي نصه”.
استند الداعون إلى وضع تشريع دولي للعمل إلى مبررات عديدة انطلقت من اعتبارات اجتماعية وسياسية واقتصادية وكان في طليعتها تحقيق العدالة الاجتماعية ، حيث أخذ الضمير العالمي يشعر بوطأة الظروف القاسية التي يوجهها العمال والتي زادت وتفاقمت على أثر قيام الثورة الصناعية، وما صاحبها من وقوع الكثير من المآسي الاجتماعية والعمالية، وتصاعد القلاقل والانتفاضات الاجتماعية. وكان في تشابه تلك الصعوبات في البلاد الأوروبية الصناعية وذيوعها فيها، أكبر دافع على ذلك، ويعكس تغلغل النزعة الاجتماعية في الضمير العالمي.
ولذلك فقد اعتبرت الاتفاقيات الدولية للعمل التي أقرت في مؤتمر برن 1906 بمثابة “آلية للتضامن الاجتماعي تحركها تلك القوة التي تدفع الأمم لتنشئ فيما بينها مجتمعا”.
وهي نزعة لم تغب عن ذهن واضعي دستور منظمة العمل الدولية اللذين حرصوا على تسجيلها في ديباجته التي جاء بها “ولما كانت هناك ظروف عمل تنطوي على إلحاق الظلم والضنك والحرمان بكثيرين من الناس فتولد سخطا يبلغ من جسامته أن يعرض السلام والوئام العالمين للخطر، وكان من الملح تحسين الظروف المذكورة.” وفي موضع آخر تقول الديباجة ” كذلك لما كان في تخلف أية أمة عن توفير ظروف عمل إنسانية عقبة تعطل غيرها من الأمم الراغبة في تحسين أحوال العمال داخل بلدانها ” وتقول أيضا ” فإن الأطراف السامية المتعاقدة تقرر، مدفوعة بمشاعر العدالة والإنسانية وبالرغبة في تحقيق سلام عالمي دائم”. لذلك كان تحقيق العدالة الاجتماعية محركا أساسيا لقيام منظمة العمل الدولية وهدفا سعت إلى تحقيقه باعتباره ركيزة للسلام العالمي إذ “لا سبيل إلى إقامة سلام عالمي إلا إذا بني على أساس من العدالة الاجتماعية”.
وفي إعلان فيلادلفيا الصادر عام 1944، والذي أصبح جزءا من دستور منظمة العمل الدولية، اتخذت العدالة الاجتماعية مفهوما أكتر عمقا واتساعا، إذ تهدف إلى أن “لجميع البشر أيا كان عرقهم أو معتقدهم أو جنسهم، الحق في العمل من أجل رفاهيتهم المادية وتقدمهم الروحي كليهما في ظروف توفر لهم الحرية والكرامة والأمن الاقتصادي وتكافؤ الفرص”.
ولا ينحصر العمل الدولي من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية في تحقيق الحماية التقليدية للضعفاء في المجتمع أو في مجرد القيام بعمل انساني بحت هدفه اصلاح المظالم والتعسفات الصارخة، أو مجرد الغاء الظلم الاجتماعي، وإنما هي – وكما يقول البير توما-سياسة ايجابية تسمح للفرد للحصول على حقوقه السياسية والاقتصادية والمعنوية”.
وقد أكد المدير العام لمكتب العمل الدولي هذه المفاهيم في تقريره المقدم للدورة (102) 2013، وتحت الفقرة الفرعية “نحو قرن ثان لتحقيق العدالة الاجتماعية ” ص21، حيث قرر:
“ويتمثل أحد الدروس الواضحة على أي حال في أن على منظمة العمل الدولية، إن أرادت أن تظل وفية لأهدافها في مجال العدالة الاجتماعية، أن تعطى الأولوية لوضع الأشخاص الأكثر حرمانا في عالم العمل. وأساس ولاية المنظمة هو القضاء على ظروف في عالم العمل من شأنها أن “تعرض السلام والوئام العالميين للخطر”. وتقع هذه الضرورة خارج وفوق دائرة المصالح المحددة والمشروعة لكل من المجموعات المكونة لمنظمة العمل الدولية، وهي في الواقع مكملة لهذه المصالح ومتماشية معها، وذلك بموجب المبدأ القائل إن الفقر حيثما وُجد يشكل خطرا على الرخاء في كل مكان”.
” لذلك، يجب على منظمة العمل الدولية أن تستهل قرنها الثاني بالتزام صريح تجاه أكثر الناس استضعافا في عالم العمل: تجاه من يعيشون في الفقر أو على هاويته أو يواجهون خطر الوقوع فيه؛ تجاه من يعملون في ظروف فيها انتهاك لحقوقهم الأساسية وحرمان منها؛ تجاه من هم مستبعدون من المجتمع ومن فرص العمل اللائق؛ تجاه من يشكل عملهم تهديدا لكرامتهم الإنسانية وسلامتهم المادية والمعنوية؛ تجاه من يعيشون في خوف من المستقبل لافتقارهم إلى سبل الحصول على الخدمات والحماية الاجتماعية الضرورية. وإذا كان الوصول إلى هؤلاء الأشخاص صعبا وتلبية احتياجاتهم أصعب من ذلك، فإن ذلك سبب إضافي لكي تضاعف منظمة العمل الدولية جهودها للوفاء بمسؤولياتها تجاههم.”
أما بخصوص اعتبار منظمة العمل الدولية تحقيق العدالة الاجتماعية هدفا تسعى إلى تحقيقه فى كل انشتطها مستقبلا ، فقد أدركت المنظمة أن مطلب تحقيق العدالة الاجتماعية ما زال أمرا ملحا في عالمنا المعاصر، فلئن كانت حقوق الإنسان وحرياته الأساسية قد شهدت تحولا جوهريا في القرن العشرين تحت تأثير عوامل متعددة في طليعتها بلورة هذه الحقوق في مواثيق وإعلانات دولية وإقليمية، وأصبحت روح العدل والكرامة متوفرة في كل مكان، فإن الإحساس بالظلم والجور الناجم عن الفقر والتمييز بين الجنسين، والاستبعاد والتهميش الاجتماعي، وعمل الأطفال، والتدهور البيئي، وأتساع الفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة، كل ذلك أخذ يتطور هو الآخر، وأدى إلى اختلالات أساسية فيما بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وقد سجلت اللجنة العالمية المعنية بالبعد الاجتماعي للعولمة التي شكلتها منظمة العمل الدولية فى عام 2001 في تقريرها الذي قدمته عام 2004 بعنوان “عولمة عادلة – توفير الفرص للجميع ” المعاني المتقدمة، للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية العالمية القائمة عند إعداده ومن بين ما تضمنه التقرير ما يلى:
“ثمة اختلالات عميقة الجذور ومستمرة في طريقة سير الاقتصاد العالمي، غير مقبولة أدبيا ولا تطاق سياسيا. وهذه الإختلالات هي نتيجة لاختلالات أساسية فيما بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وفي حين تتزايد عولمة الاقتصاد، تظل المؤسسات الاجتماعية والسياسية، محلية أو وطنية أو إقليمية أساسا. ولا يوجد من بين المؤسسات العالمية القائمة حاليا مؤسسة تمارس رقابة ديمقراطية كافية على الأسواق العالمية، أو تحاول إصلاح عدم المساواة الأساسية فيما بين البلدان. وتشير هذه الإختلالات إلى ضرورة تحسين السياسات والأطر المؤسسية إذا أردنا للعولمة أن تحقق وعودها، والإختلالات بین الاقتصاد والمجتمع تدمر العدالة الاجتماعية.
ثمة اختلال في القواعد العالمية. فالقواعد والمؤسسات الاقتصادية تغلب على القواعد والمؤسسات الاجتماعية، في حين يجري اختبار فعالية القواعد والمؤسسات عن طريق الواقع الحالي للعالم. فقد تم تحرير التجارة في القطاع الصناعي، في حين ظلت الزراعة محمية. وتتحرك السلع ورؤوس الأموال عبر الحدود بحرية أكبر من حرية حركة الناس. وفي أوقات الأزمات تملك البلدان المتقدمة خيارات حرية حركة أكبر في مجال الاقتصاد الكلي من البلدان النامية التي تضطر إلى التكيف. فالسياسات الدولية تطبق في حالات كثيرة دون مراعاة الخصائص الوطنية. واختلال القواعد العالمية يمكن أن يزيد عدم المساواة الأصلية. وغالبا ما تعمل قواعد التجارة العالمية اليوم لصالح الأغنياء والأقوياء على حساب الفقراء والضعفاء، سواء كانوا بلدانا أو شركات أو مجتمعات محلية.
والتغيير الهيكلي المفروض دون تدابير تكيف اجتماعي واقتصادي ملائمة تتسبب في عدم اليقين بالمستقبل والافتقار إلى الأمن بالنسبة للعمال ورجال الأعمال في كل مكان، في الشمال والجنوب على حد سواء. والنساء والسكان الأصليون والعاملون الفقراء الذين يفتقرون إلى المهارات والأموال هم من بين أكثر الفئات تضررا. ولا تزال البطالة والبطالة الجزئية واقعا عسيرا بالنسبة لغالبية سكان العالم”.
ثمة شرخ يتزايد اتساعا بين الاقتصاد العالمي المنظم والاقتصاد المحلي غير المنظم الذي يزداد توسعا في معظم المجتمعات. وغالبية سكان العالم تعيش وتعمل في الاقتصاد غير المنظم، ولا زالت مستبعدة من المشاركة المباشرة العادلة والمنصفة في الأسواق، ومن العولمة. وهي لا تتمتع لا بحق الملكية ولا بأي حق من الحقوق، ولا تملك القدرة ولا الموارد اللازمة للدخول في المعاملات الاقتصادية الإنتاجية.
وتعد هذه الفئة من أكثر الشرائح الاجتماعية ضعفا وغبنا ومحلا للاستغلال على صعيد علاقات العمل والاستخدام، وأمسها حاجة للرعاية على الصعيد العالمي.
ولا يمكن التغاضي عن بواعث القلق الحقيقية المتعلقة بتحقيق العدالة لدى هذا القطاع الكبير من العمال الذين ما زالت ثمار العولمة بالنسبة لهم مجرد سراب. ولئن كانت العولمة العادلة أمرا إيجابيا، إلا أنه لكي يستفيد منها الناس، فإنها تتطلب – كما تقول اللجنة العالمية المذكورة – إرساء قواعد مشتركة وأفكار عملية، وحلول متوازنة، ويتعين أن ننظر إليها من زاوية الرجال والنساء في حياتهم اليومية.
ومنافع العولمة تم توزيعها بطريقة غير منصفة، فيما بين البلدان وداخلها، وثمة استقطاب متزايد بين الرابحين والخاسرين. وقد اتسعت الفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة. وفي أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وفي أمريكا اللاتينية كان عدد الأشخاص الذين يعيشون في حالة فقر في نهاية التسعينات أكبر من عددهم في بداية ذلك العقد. انتهى الاقتباس.
وجرى مناقشة هذا التقرير ودراسته من قبل منظمة العمل الدولية وأطراف الإنتاج الثلاثة والمنظمات والوكالات الدولية الأخرى وكانت حصيلة هذه المشاورات اعتماد مؤتمر العمل الدولي في دورته (97) فى 10 يونية 2008 للإعلان الخاص بـ ” العدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة”. ويعكس هذه الإعلان حرص منظمة العمل الدولية، وممثلو الحكومات ومنظمات أصحاب العمل ومنظمات العمال على تحقيق العدالة الاجتماعية في سياق العولمة وان الحرص على الغائية الاجتماعية للتقدم الاقتصادي، كان في الأساس، ولا يزال دائما هدف عمل منظمة العمل الدولية. كما تلقى الإعلان دعما دوليا وإقليميا واسع النطاق.
كذلك من الناحية السياسية، فإن تعزيز السلم الاجتماعي في البلدان الصناعية، لا يمكن تحقيقه إلا بالاهتمام بمشاكل العمال وعدم الإجحاف بهم وتجنب سخطهم وتذمرهم والتخفيف من حدة الظروف البائسة التي تعيشها الطبقة الكادحة.
فالسلم الاجتماعي داخل الدول قوامه وجود أوضاع وظروف مستقرة تستبعد القلاقل والتوترات الاقتصادية والاجتماعية، ومن شأنه أن يسهم في القضاء على التوتر الذي يمكن أن يمتد أثره على الصعيد الدولي على نحو يهدد السلم العالمي، ولذلك، فإنه بمحاربة هذا الظلم، فإن منظمة العمل الدولية تخدم قضية السلم، وهو ما أكد عليه دستور منظمة العمل الدولية من أنه “لا سبيل إلى إقامة سلام عالمي دائم إلا إذا بنى على أساس من العدالة الاجتماعية “، وأن “هناك ظروف عمل تنطوي على إلحاق الظلم والضنك والحرمان بكثيرين من الناس فتولد سخطا يبلغ من جسامته أن يعرض السلم والوئام العالميين للخطر”.
والقيّم الاجتماعية لمنظمة العمل الدولية ، هى قيّم عالمية وتتصل بشكل وثيق بالعدالة الاجتماعية وحماية كرامة الإنسان العامل والسمو بغنسانية وما يبذل من جهد وطاقة بشرية وحماية حقوقه وحرياته أينما كان .
ويجسد الإعلان كما جاء في ديباجته – الرؤية المعاصرة لمنظمة العمل الدولية في عصر العولمة، وهو يمثل إعادة للقيمة التي تتحلى بها منظمة العمل الدولية، وهو حصيلة المشاورات الثلاثية التي استهلت في أعقاب تقرير اللجنة العالمية المعنية بالبعد الاجتماعي للعولمة، ويضفي الإعلان صفة مؤسسية على مفهوم العمل اللائق الذي وضعته منظمة العمل الدولية منذ عام 1999، بحيث بات في صميم سياستها من أجل تحقيق أهدافها الدستورية.
ويدعو إعلان منظمة العمل الدولية بشأن العدالة الاجتماعية لعام 2008 “الدول الأعضاء إلى النظر في اتخاذ خطوات مناسبة للتنسيق بشكل ملائم بين المواقف المتخذة في المحافل الدولية ذات الصلة وتلك المتخذة بموجب الإعلان نفسه، ويدعو المنظمات الدولية والإقليمية في ميادين “وثيقة الصلة ” لتعزيز العمل اللائق وتقييم آثار سياسات الأسواق التجارية والمالية على العمالة، ويوعز إلى المدير العام أن يعزز شراكات فعالة مع الأمم المتحدة والنظام متعدد الأطراف” ، ( انظر تقرير المدير العام لمكتب العمل الدولي المقدم لدورة (102) لمؤتمر العمل الدولي 2013 التقرير الأول (ألف) ص 19 بند 131) ، وإذ يضع مؤتمر العمل الدولي في الاعتبار أن السياق الحالي للعولمة المتسم بنقل التكنولوجيا الجديدة وتدفق الأفكار وتبادل السلع والخدمات وزيادة رؤوس الأموال والتدفقات المالية وتدويل عالم الأعمال والعمليات التجارية والحوار ونقل الأشخاص ولاسيما العاملات والعمال يغير معالم عالم العمل تغييرا جذريا.
وإدركا منه أن تحقيق نتيجة محسنة ومنصفة لصالح الجميع في ظل هذه الظروف أصبح أمرا ضروريا أكثر فأكثر من أجل الاستجابة للتطلع العالمي إلى العدالة الاجتماعية، ومن أجل تحقيق العمالة الكاملة ولضمان استدامة المجتمعات المنفتحة والاقتصاد العالمي، ولتحقيق التلاحم الاجتماعي ، ومحاربة الفقر ، وحالات عدم المساواة المتزايدة.
واقتناعا بأن منظمة العمل الدولية تضطلع بدور أساسي في المساعدة على تعزيز التقدم والعدالة الاجتماعية في ظل مناخ يشهد تطورا مستمرا.
يعتمد في هذا اليوم العاشر من يونية عام ألفين وثمانية هذا الإعلان.
يقر المؤتمر ويعلن أنه:
أولا: النطاق والمبادئ:
في سياق التغيير المتسارع، ينبغي لالتزامات الدول الأعضاء وللمنظمة وجهودها المبذولة لتنفيذ الولاية الدستورية لمنظمة العمل الدولية، بما في ذلك من خلال معايير العمل الدولية ولوضع العمالة الكاملة والمنتجة والعمل اللائق في صميم السياسات الاقتصادية والاجتماعية، أن تقوم على الأهداف الاستراتيجية الأربعة للمنظمة، وهي أهداف تحظى بقدر متساو من الأهمية ويتجلى من خلالها برنامج العمل اللائق ويمكن تلخيصها كالتالي:
تعزيز العمالة من خلال خلق بيئة مؤسسية واقتصادية مستدامة بحيث:
يمكن فيها للأفراد أن يطوروا ويحدثوا القدرات والمهارات الضرورية التي يحتاجونها لتمكينهم من أن يكونوا مستخدمين على نحو منتج من أجل تحقيق تكاملهم الذاتي وتوفير الرفاه العامة.
تكون فيها جميع المنشآت العامة أو الخاصة مستدامة للتمكين من تحقيق النمو وتوليد المزيد من فرص وآفاق العمالة والدخل للجميع.
يمكن فيها للمجتمعات أن تحقق أهدافها المتعلقة بالتنمية الاقتصادية ومستويات المعيشة الجيدة والتقدم الاجتماعي.
وضع وتعزيز تدابير للحماية الاجتماعية بالضمان الاجتماعي، وحماية اليد العاملة وتكون مستدامة ومكيفة مع الظروف الوطنية بما فيها:
توسيع الضمان الاجتماعي ليشمل الجميع بما في ذلك التدابير الرامية لتوفير دخل أساسي لجميع من يحتاجون إلى هذه الحماية، وتكييف نطاقه وتغطيته لتلبية الاحتىاجات الجديدة ومواجهة مواطن الشك التي تولدها سرعة التغيرات التكنولوجية والمجتمعية والسكانية والاقتصادية.
ظروف عمل صحيحة وآمنة.
سياسات أجور ومكاسب وساعات عمل وغير ذلك من ظروف عمل تمكن الجميع من الحصول على قسط وافر من ثمار التقدم، وتوفير أجر يضمن حدا ادنى من مستوى المعيشة لجميع المستخدمين والمحتاجين إلى مثل هذه الحماية.
تعزيز الحوار الاجتماعي والهيكل الثلاثي باعتبارها أنسب وسيلتين من أجل:
تكييف تنفيذ الأهداف الاستراتيجية مع احتىاجات وظروف كل بلد.
ترجمة التنمية الاجتماعية إلى تقدم اقتصادي، والتقدم الاجتماعي إلى تنمية اقتصادية،
تسهيل بناء توافق الأراء حول السياسات الوطنية والدولية ذات الصلة التي تؤثر في استراتيجيات وبرامج العمالة والعمل اللائق.
إضفاء الفعالية على قانون ومؤسسات العمل بما في ذلك ما يتعلق بالاعتراف بعلاقات الاستخدام وتعزيز العلاقات الصناعية الجيدة وبناء نظم فعالة لتفتيش العمل.
احترام وتعزيز وإعمال المبادئ والحقوق الأساسية في العمل التي تكتسى أهمية خاصة في اعتبارها في آن معا حقوقاً أساسية وشروطا تمكينية ضرورية لتحقيق جميع الأهداف الاستراتيجية تحقيقا كاملا مع الإشارة إلى:
أن الحرية النقابية والإقرار الفعلي بالحق في المفاوضة الجماعية أساسيان بشكل خالص للتمكين من بلوغ الأهداف الاستراتيجية الأربعة.
أن انتهاك المبادئ والحقوق الأساسية في العمل لا يمكن أن يستشهد به أو يستخدم بشكل آخر كميزه نسبية مشروعة، وأن معايير العمل ينبغي ألا تستخدم لأغراض تجارية حمائية.
باء – الأهداف الاستراتيجية الأربعة غير قابلة للتجزئة وهى مترابطة ومتكافئة، والتقصير في النهوض بأي هدف من هذه الأهداف سوف يضر بالتقدم في اتجاه تحقيق الأهداف الأخرى.
وتوخيا لتحقيق الحد الأمثل من أثرها، ينبغي للجهود المبذولة أن تكون جزءا من استراتيجية عالمية ومتكاملة لمنظمة العمل الدولية من أجل تحقيق العمل اللائق، ويجب اعتبار المساواة بين الجنسين وعدم التمييز قضيتين شاملتين تتضمنها الأهداف الاستراتيجية المذكورة أعلاه.
جيم – إن كيفية تحقيق الدول الأعضاء للأهداف الاستراتيجية هي مسألة يجب أن تحددها كل دولة عضو وفقا لالتزاماتها الدولية القائمة وللمبادئ والحقوق الأساسية في العمل مع إيلاء الاعتبار على النحو الواجب لجملة أمور أخرى منها ما يلى:
الشروط والظروف الوطنية والأولويات والاحتياجات التي عبرت عنها المنظمات التي تمثل أصحاب العمل والمنظمات التي تمثل العمال.
الترابط والتضامن والتعاون فيما بين جميع الدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية، وهي أمور ملائمة أكثر من أي وقت مضى في سياق الاقتصاد العالمي.
مبادئ وأحكام معايير العمل الدولية.
وقد تضمن البند ثانيا: أسلوب تنفيذ الإعلان كما تضمن البند ثالثا أحكاما ختامية بشأن التزام المدير العام للمنظمة بإرسال الإعلان إلى جميع الدول الأعضاء والمنظمات والجهات المعنية، والتزام مجلس الإدارة بوضع طرائق التنفيذ. كما أشتمل الإعلان على مرفق يتعلق بآلية متابعته.
غير أن مفهوم العدالة – كغيره من المعايير والقواعد السائدة في القانون الدولي للعمل – أصبح خاضعا للتغيير والتعديل بحكم سنة التطور. ولذلك فإن مفهوم العدالة الاجتماعية والسلم الاجتماعي والقيم الاجتماعية التي كانت سائدة في مطلع القرن العشرين وعند قيام منظمة العمل الدولية، أصبحت تختلف عن مفاهيمها الآن، فلم تعد المشكلة الاجتماعية أو المطالب العمالية متمثلة في تحسين ظروف وشروط العمل أو تحديد ساعات العمل اليومية، وإنما في إيجاد فرص العمل نتيجة للأعداد المتزايدة من العاطلين على أثر انتهاج الدول لسياسات التحولات والتغيرات الهيكلية والتكنولوجية والاجتماعية الجديدة. ولقد زاد الأمر صعوبة ما صاحب هذه السياسات من ركود اقتصادي، وتصاعد ظاهرة الاستغناء عن العمال أو انخفاض أجورهم.
ومتابعة لجهود منظمة العمل الدولية فى مجال تحقيق العدالة الاجتماعية فقد خصص المدير العام لمكتب العمل الدولي جانباً من تقريره المقدم للدورة (104) المؤتمر العمل الدولي، 2015 للحديث عن العدالة الاجتماعية، حيث أورد في ص 15ما يلى:
“ما نشهده اليوم من اضطرابات اقتصادية واجتماعية وسياسية، يجعل من تحقيق العدالة الاجتماعية هدفا من أهم أهداف الساعة، ومشاعر انعدام الإنصاف هي من بين أقوى أسباب انعدام الاستقرار في الكثير من المجتمعات، لا سيما تلك التي يكون فيها السلام مهددا أو مقوضا أصلا. وكان من شأن الاعتبارات التي دفعت بمؤسسي منظمة العمل الدولية إلى جعل العدالة الاجتماعية الهدف المنشود للمنظمة شاغلها الشاغل هو عالم العمل، أن أرست رابطا ومسئولية ما فتئت هي نفسها بعد مرور قرابة 100 عام، بالتالي عندما تجتمع الحكومات، وأصحاب العمل، والعمال في منظمة العمل الدولية سعيا إلى التوصل إلى توافق بشأن العديد من المسائل المرتبطة بالعمل والمطروحة أمامهم، لا بد من أن يسترشدوا بمقتضيات العدالة الاجتماعية.
وهذا المنطق الأساسي يعني أن مبادرة المئوية بشأن مستقبل العمل ترتبط أيضا بمستقبل العدالة الاجتماعية.
“إنها لعمري أسباب وجيهة كلها تدعونا إلى أن نضافر الجهود في سبيل تحقيق أهداف مبادرة المئوية بشأن مستقبل العمل”.
وقد اعتمد مؤتمر العمل الدولي في يونيه 2019 بمناسبة مرور مائة عام على إنشاء منظمة العمل الدولية إعلان عرف بإعلان المئوية نص في ديباجته على أن “إذ التذكير والتأكيد على الأغراض والأهداف والمبادئ المنصوص عليها في دستور منظمة العمل الدولية وإعلان فيلادلفيا (1944).
وإذ يشدد على أهمية إعلان منظمة العمل الدولية بشأن المبادئ والحقوق الأساسية في العمل (1998)، وإعلان منظمة العمل الدولية بشأن العدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة (2008)، وإذا تحدوه مشاعر العدالة الاجتماعية التي أبصرت منظمة العمل الدولية النور استلهاما بها قبل مائة عام، ويحدوه الاقتناع بأن الحكومات وأصحاب العمل والعمال في العالم يملكون بين أيديهم زمام رسم معالم مستقبل عمل يحقق الرؤية التي تأسست عليها المنظمة، وإذ يناشد جميع الجهات المكونة لمنظمة العمل الدولية أن تنشَّط العقد الاجتماعي من أجل تحقيق العدالة والسلام العالمي والدائم وهو العقد الذي التزمت به منذ عام 1919″.
وقد رتب الإعلان على عاتق كل من مجلس الإدارة والمدير العام لمكتب العمل الدولى مسئولية وضع الطرائق المناسبة للتنفيذ السريع للإعلان ، وبمراعات ما نص عليه البند ثانيا من مسئوليات وضع الطرائق المناسبة للتنفيذ السريع للإعلان ، وبمراعاة ما نص عليه البند ثانيا من مسئوليات لمنظمة العمل الدولية والدول العضاء والمنظمات الدولية والإقليمية ذات الصلة وأرفق بالإعلان مرفق للمتابعة .










