صرخة نقدية في دورة مهرجان طرابلس المسرحي الـ 13.
إنّ ختام أي مهرجان مسرحي ليس مجرد حفلاً لتوزيع الجوائز، بل هو لحظة حقيقة تُسلط فيها الأضواء على مستوى الإبداع في المشهد الفني، وتُختبر فيها شفافية ونزاهة آليات التقييم. وفي الدورة الثالثة عشرة للمهرجان الوطني للفنون المسرحية بطرابلس، التي حملت شعارها النبيل، يبرز تساؤل حارق يجب أن يُطرح بصراحة بعيداً عن المجاملات: هل ذهبت الجوائز إلى مستحقيها فعلاً؟ وهل كانت القرارات الفنية بمستوى الطموح المسرحي الليبي؟
#صدمة “الحجب”: بين الارتقاء بمعايير الجودة و”التخوين” الفني.
لعلّ أبرز ما يثير الاستغراب والجدل في نتائج هذه الدورة هو قرار حجب بعض الجوائز. إنّ هذا القرار، الذي نكنّ كل التقدير والاحترام للجنة التحكيم على اتخاذه، يفتح الباب واسعاً أمام #التكهنات والتحليل النقدي:
الجانب الإيجابي (الارتقاء بالمعيار): يمكن تفسير الحجب كرسالة واضحة وقاسية من لجنة التحكيم بأنّ الأعمال المقدمة في بعض الفئات لم ترتقِ إلى الحد الأدنى من المعايير الفنية المطلوبة لنيل الجائزة. وهذا يدل على أنّ اللجنة ترفض التنازل عن قيمة الجائزة لمجرد إكمال قوائم الفائزين. إنها دعوة لإعادة النظر في مستوى النصوص، الإخراج، أو الأداء.
الجانب السلبي (الاحتجاج الصامت): في المقابل، يرى البعض أنّ حجب الجوائز، خاصةً في مهرجان وطني، هو بمثابة “تخوين” فني لجهود الفنانين، وقد يُنظر إليه على أنه اعتراض ضمني على المنهج العام للإبداع المسرحي الحالي، أو ربما فشل اللجنة في فهم سياقات التجارب المسرحية الشابة التي قد تحمل بذوراً إبداعية غير تقليدية. فهل كان غياب النقد الذاتي الحقيقي في العروض سبباً للحجب، أم أنّ الحجب نفسه هو نقد لاذع؟
إنّ الصراحة تقتضي القول: إذا لم تُفصِح اللجنة بوضوح وشفافية عن المعيار الدقيق الذي أدى إلى الحجب، فإنّ القرار يتحول من فعل “تقويمي” إلى فعل “إحباطي” يزرع الشكوك حول الموضوعية.
إلى مَن ذهبت الجوائز ولماذا؟ معضلة “الاستحقاق”
أما عن الفائزين بالجوائز التي مُنحت، فالسؤال الجوهري يبقى: هل هم “المستحقون” حقاً؟
الاستحقاق الفني المطلق: يتمثل في العمل الذي يقدم تجربة مسرحية متكاملة؛ نصاً عميقاً، إخراجاً رؤيوياً، وأداءً مؤثراً.
الاستحقاق الجماهيري: يميل الجمهور إلى العروض المؤثرة عاطفياً أو التي تحمل جرأة في الطرح.
غالباً ما تقع لجنة التحكيم تحت ضغط الموازنة بين هذين النوعين من الاستحقاق، بالإضافة إلى الضغط غير المعلن أحياناً لاختيار أعمال من مناطق أو أسماء محددة بهدف “التوزيع العادل” أو “المجاملات”.
بصراحة: يجب أن يكون المعيار الوحيد هو الامتياز الفني. وفي غياب نقاش عام مستفيض وتحليل دقيق للعروض الفائزة وغير الفائزة، يظل الشعور بأنّ بعض الجوائز قد تكون ذهبت إلى “المرضي عنهم” أو “الأسماء المكررة” قائماً، حتى لو كانت أعمالهم جيدة، على حساب تجارب شابة أكثر ابتكاراً تحتاج إلى الدعم والاعتراف.
#الخلاصة: ضرورة الشفافية والمساءلة.
إنّ مهرجان طرابلس المسرحي هو رئة ثقافية تحتاج إلى عناية خاصة. ولا يمكن أن ينمو المسرح إلا في بيئة نقدية صحية.
رسالتنا إلى لجنة التحكيم والهيئة المنظمة: مع كل التقدير لجهودكم المضنية، فإنّ الشفافية ليست مجرد خيار، بل هي ضرورة أخلاقية وفنية. يجب الإعلان بوضوح عن:
المعايير التفصيلية التي تم الاعتماد عليها لتقييم كل فئة.
المبررات النقدية والفنية المحددة لحجب أي جائزة، وكيف فشلت الأعمال في تحقيق الحد الأدنى المطلوب.
فبدون هذا الوضوح، سيظل قرار الحجب والنتائج محل شكوك، وستُفقد الجوائز جزءاً من قيمتها المعنوية كبوصلة توجه حركة المسرح الليبي. إنّ المسرح بالناس وللناس، والنقد الصادق هو أول درجات البناء.










