هل سينتهي الحال بمصر بفللٍ وشاليهاتٍ ومدنٍ ساحليةٍ سياحية؟
سؤالٌ لا يحمل استنكارًا بقدر ما يحمل وجعًا من تكرار المشهد العربي ذاته،
حيث يتجه رأس المال نحو الواجهة البراقة — نحو الرمال والبحر والمظاهر العمرانية — فيما تغيب عنه المشاريع التي تبني الأوطان وتنهض بالشعوب.
اليوم نسمع عن مشروعٍ ضخمٍ جديدٍ في الساحل الشمالي،
باستثماراتٍ قطريةٍ تصل إلى ثلاثين مليار دولار،
لتشييد مدينةٍ سياحيةٍ متكاملة.
مشروعٌ جميل بلا شك،
ونحن نُقدّر رغبة المستثمرين في دعم الاقتصاد المصري،
إلا أن التوازن بين المشاريع السياحية والتنموية يبقى هو الفيصل في نهضة الأوطان.
فقد غرقت مصر من قبل في مثل هذه المشاريع التي زادت من تكدّس العقار،
ولم تُحدث الأثر الحقيقي في الصناعة أو التعليم أو الإنتاج.
وهنا يتجدّد السؤال القديم الجديد:
هل اختُزلت التنمية في العقار والمنتجعات؟
مصر — التي أنجبت العلماء والمهندسين والمفكرين — لا ينقصها العقولُ ولا السواعد.
فيها كفاءاتٌ قادرةٌ على إقامة الصناعات، وابتكار التكنولوجيا، وزراعة الصحراء، وبناء المدن الإنتاجية لا الاستهلاكية . وجعل المستحيل ممكنناً.
بلادٌ بهذا العمق تستحق أن يُستثمر فيها العقلُ قبل الحجر، والمصنعُ قبل الفندق، والجامعةُ قبل الشاليه.
وأرى أن على الحكومة المصرية الموقرة أن تُعيد توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الحيوية،
وأن تُشجّعها وتحميها بالقوانين والتسهيلات اللوجستية،
فالدولة التي تُحسن توجيه رأس المال تُحسن بناء المستقبل.
الاستثمار الحقيقي ليس كل ما يلمع على الشاطئ، بل ما يُضيء في العقول ويُثمر في المصانع والمزارع والمختبرات. مصر لا تحتاج إلى المزيد من المنتجعات الفاخرة، بل إلى مشاريع تنموية تُشغِّل أبناءها، وترفع من مستوى دخولهم وحياتهم، وتُصنِّع احتياجاتها، وتُعيدها إلى موقعها كقلبٍ صناعيٍّ وزراعيٍّ وثقافيٍّ للعالم العربي.
فهل يُعقل أن تظل الكفاءات المصرية تعمل في السياحة وخدمة السائحين،
بينما قدراتها تكفي لتصميم الطائرات وصناعة الدواء وتطوير الآلات،
وقادرةٌ على بناء دولةِ المستقبلِ القوية؟
آن الأوان أن نُعيد تعريف الاستثمار…
فالأوطان لا تُبنى بالشاليهات، بل بالإنسان والإنتاج والمعرفة،
ومن أراد أن يستثمر في مصر، فليبنِ مستقبلها… لا شواطئها.
اللهم احفظ مصر، وبارك في أهلها وقيادتها، واجعل مستقبلها كما تستحقه… عزةً ونهضةً وكرامةً.










