عندما يقرر الكاتب الإبحار في رحلته نحو الكتابة يقوم عادة بوضع خطته التي سينفذ ما فيها ويلتزم بخطواتها المعهودة التي تميزه عن غيره، تسبقه لتدل عليه، لكل كاتب طقوسه الفريدة وطرقه الخاصة التي اعتاد أن يجمع بها أفكاره، ينتقي بها كلماته الموحية، باحثًا في كل مكان عن فكرته التي تكونت لديه، فكرته التي تنتظر منه بلورتها وصياغتها مستخدمًا فيها صوره البلاغية ومفرداته التي تمثله وتعبر عنه، فيقوم عقب ذلك بالتقاطها وجمعها على الفور، ينمقها ويرتبها، ينسقها كباقة زهر.
إن أكثر ما يقلق الكاتب أو يهدده هو الخروج من حالته التي يتقمصها ويتشبع من تأثيرها عليه بعد أن توحد معها، أو حينما يأتيه شخص يقاطعه مقترحًا عليه اقتراحًا يذهب به بعيدًا فيشوش أفكاره، يشتت بصيرته ورؤيته الثاقبة لأمره، إننا الآن نلجأ للكتابة الإلكترونية من خلال شاشات هواتفنا الجوالة، أو فوق سطح أي جهاز لوحي؛ حين تبدو الكلمات منهمرة عليك كالمطر تدعي مساعدتك فتختطف لحظات استغراقك، تطمس أفكارك بمجرد استنتاجها لذهابك في رحلة الكتابة.
تتبعثر الكلمات محاولة التأثير عليك بكل الطرق تود اختراقك، تثير حيرتك، تدعوك لاختيارها بكل إصرار، فتدفع بك أحيانًا إلى قبول مساعدتها، ولو باقتراحها بفرصة اختيارك لأحد حروف الجر.
إن إتاحة هذه الكلمات وعرض تلك المعاني دائمًا ما يذكرني بنفاد الأكسجين الفكري، هو عملية اختطاف لروح الكاتب الإبداعية، ومحاولة للقضاء على ملامح تذوقه الجمالي، إن هذا الشيء المزعج يعد إجهادًا واستنزافًا لكل طاقة يمكنها أن تصنع من الأفكار الهائمة في الخيال صرحًا ضخمًا قويًا لا يخشى تهديدًا من ريح أو عاصفة.
كثيرًا ما تأتيك كلمات قد تتعارض أو تنسجم مع ما تكتب، لكنك تشعر أنها ليست كلماتك، لا تشبهك، لا تعنيك، ولا تعبر عنك تحرمك الفرصة في استعراض مواهبك، تكسر جموح خيالك، فهي تشبه تلك البضاعة التي تم فرضها عليك رغمًا عنك، ستحتاج إلى التمرد عليها سترفضها وتفضل مصارعتها، تبتعد عن استخدامها، متبرًأ منها، ومتسلقًا لأسوار مدينتها العالية، ناجيًا بنفسك من مجاهل غربتك.
أذكر في الماضي أولى محاولاتي للكتابة؛ حين كان الورق والقلم هما كل أدواتي، حين كانت تأتيني الفكرة فأدونها، أكتب عنها بقدر ما أستطيع بأسلوب متواضع يناسب حداثة سني؛ أدون وأمحو ما أكتبه ربما يكون ذلك بنسب متقاربة، لكن ذلك لم يكن يزعجني، فقد كنت أخشى فقط من التشويش الفكري، أعيد صياغة ما كتبت أكثر من مرة بحذف له أو بإضافة؛ باحثة عن أفضل سبيل لإخراج ما أريد التعبير عنه بطريقتي كما أتمنى وأرجو؛ لم أكن أظن أن ثمة يومًا سيأتي، يوم أضطر فيه لمصارعة كلمات تأتيني فرضًا، ودونما اختياري.










