ما اصعب أن تجد نفسك في حضرة مخلوق شديد القسوة لا يعرف الرحمة ولا يعترف بها حتى ولو كان ملاكا..يحمل قلبا أشد ما يكون غلظة لا يقبل واسطة ولاتنفع عنده شفاعة ولو توسلت إليه بكل خلق الله.. لم يفلح معه حتى الأنبياء والمرسلين ..
تسلحت بكل ما املك من أسلحة الشجاعة والقوة الإيمانية حاولت التودد إليه وانا اشاهد طيفه يحوم حول المكان يخترق كل الحجب مصوبا سهمه نحو الهدف والغاية قاصدا حبيبا عزيزا .. يتسلل دون اكتراث بأي من الحضور لم يطرف له جفن من حالات باكية تجلس خاشعة متضرعة تستنجد برب الأرض والسماء بكل اسم سمى به نفسه أو علمه احد من خلقه أو استأثر به في علم الغيب عنده..
حدثتني نفسي التواقة والساعية دائما لكل خير وما قرب اليه من قول وعمل أن أتحدث إليه.. دفعتني كل الهواجس والظنون للاقتراب منه تقول لي لا تخف منه انك لست المطلوب الان وطالما أن الأمر كذلك فلن يصيبك سهمه المميت أنه في مهمة محددة مؤقتة بالدقيقة والثانية.. حاولت القيام بالمهمة .. قلت له بثبات ورابطة جأش.. سيدي الملك .. هذا اخي وحبيبي قد من الله علينا واتم نعمته على أبي وأمي من قبل .. وقد نذره والده ليكون خادما لدين الله شرعه الحنيف لينشر نور الله في كل مكان .. وهبه أبوه للأزهر منذ بدأ يدرك ويعي لذا لم يتردد في ان يخرجه من التعليم العام مبكرا ليلحق بركب أهل القرآن وحملة كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في مواكب الازاهرة المضيئة.. كان النذر خالصاً لله لم تؤثر اي من عقبات الطريق الوعرة في الابتعاد عن الهدف.. الطريق من ششت الأنعام إلى ايتاي البارود إلى القاهرة يوميا في القطار وما ادراك ما قطارات تلك الأيام كانت كلها سبنسة.. أما المجري كما تعلم سيدي الملك فكانت لبشر من عوالم أخرى..
لقد كان الوصول إلى السبنسة شاقا خاصة في الأيام حالكة الظلام قارصة البرد غارقة في الوحل والطين ..السير على الأقدام بالغ الصعوبة..لا مفر من ظهر دابة للحاق بالقطار القشاش من بلدة كفر الشيخ أو ابو شادي المجاورة على بعد كيلومترات تعبر ترعة المحمدية وكانوا يسمونها بحرا على متن قارب صيد صغير او فلوكة .. للوصول إلى القاهرة في باب الحديد ثم إلى رحاب الجامع الأزهر العتيق..
بحق هذا الشقاء للوفاء بالنذر المبارك والرحلة المقدسة ارفق بنا وبه .. تمهل صبرا سيدي الملك..
أما تسمع وترى اصوات العشرات بل والمئات والالاف من تلاميذه واقرانه الذين يملأون الأرض علما وفقها وفضلا وخيرا يفيض على كل خلق الله في الداخل والخارج يعلمون الناس كلام الله وشرعه الحنيف الذي أنزله على رسوله خاتم الأنبياء والمرسلين.. وكل هؤلاء يشهدون له .. في قاعات الدرس بالمعاهد الأزهرية على منابر المساجد في القرى والعزب المجاورة في مكاتب تحفيظ القرآن الكريم في بعثات الأزهر التعليمية إلى اليمن الذي كان سعيدا.. إلى البعثات الدعوية في قلب افريقيا من تمبكتو عاصمة مالي بل والدولية الإسلامية في وسط وغرب أفريقيا وممالكها الإسلامية التاريخية.
وسوس الشيطان الرجيم مرة أخرى وخنس قائلاً لن يسمعك ..انه حافظ وليس له قدرة أو قل أن شئت تصريح أو ترخيص للفهم ..
استعذت بالله من الشيطان الرجيم..وسمعت همسا ودودا من الملائكة المقربين يقولون الجأ إلى.أفضل خيار متاح لك وهو الدعاء.. ففيه قوة جبارة تفوق السحر وبامكانه أن يرد القضاء أو القدر..
تنفست الصعداء مستبشرا وقلت هلموا يا بنياتي نجأر بالدعاء.. نرفع الأكف تضرعا إلى الله وخشية.. الأعين شاخصة معلقة بالسماء والدموع تنهمر وحشرجات الانين تتصاعد ..إلا أن السيد الملك لم يأبه لاي شيء.. شاهدت يده تقترب من جعبة سهام القدر..اصابعه تتحسس الزناد ..حمائم بيضاء بأجنحة مبهرة وضاءة تحلق في السماوات البعيدة..وظننتها نجدة باتت قريبة استجابة لزفرات حرى استقبلتها ابواب السماوات المنفتحة..
قبل أن يتسرب إلى نفسى اي شعاع يروض حيرتي وتمردي وقلقي حدثني قلبي الواعي لتذكير سيدي الملك بفضيلة الصبر ومنزلة الصابرين وان ملك الملوك جل جلاله يوفيهم أجورهم بنفسه ويدخلهم الجنة بغير حساب..
لقد صبر على ما هو أشد من مصيبة المصائب من أشد الناس خسة وحقارة من المتردية والنطيحة والعقورة .. لم يعضوا يده فقط بل وقطعوا نياط قلبه حتى كادوا أن يزهقوا روحه..بعد أن اعمتهم زخارف المتاع الحرام ونشوة التمرد على القيم والأخلاق والاستغراق في كل ما يشين رغم نصح الناصحين وتحذيرات المستبصرين..ورغم القسوة والمرارة المريرة.أسرها في نفسه ولم يبدها لهم رغم نيران الغضب المتقدة الكفيلة بحرق الاخضر واليابس ..
فلترفق به سيدي الملك وكن به رحيما ولا تنزع إن كنت ولابد فاعلا الآن..
يأبى الشيطان اللعين أن يترك فرصة لروح الايمان أو التسليم التام لقضاء الله وقدره همس من بعيد وهو يتوارى خجلا عليك بالطبيب المداويا.. لعل وعسى أن يجلب شفاءا ويطرد شبح الاشباح ويغمد سيف القدر قبل أن ينطلق سهمه..
صفارات الانذار على جهاز مراقبة وقياس النبضات استدعت الطبيب على عجل ومعه ملائكة الأسرة البيضاء .. حاول وحاول وحاولوا تنشيط العضلات صدمات سريعة..وتمارين ضغط فوق الصدر..حقن وكبسولات ومحاليل ووو .. بلا فائدة..
ورغم كل ذلك تمكن السيد الملك رغم هجوم الأطباء وملائكة الرحمة من أن يطلق سهمه النافذ ويؤدي المهمة التي كلف بها على الوجه الأكمل.. ليؤكد في كل لحظة صفته الشهيرة بأنه هازم اللذات ومفرق الجماعات.. ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم..
ولم يكن من بد في اللحظة الحاسمة من أنوار قلب القرآن الكريم يس لتلقي بظلالها الوارفة وتشيع رحمة في المكان وتخبرهم .. إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون..
رحم الله اخي الشيخ بسيوني رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا..
والله المستعان..
megahedkhalaf@yahoo.com










