يدرك الفلسطينيون أن الضفة الغربية هي الساحة الأهم لإسرائيل، وهدفها الأكبر. وهكذا، نجحت إسرائيل في تحويل الضفة إلى سجن كبير، وكانتونات معزولة بشبكة كبيرة من الحواجز العسكرية والبوابات وجدار الفصل العنصري. وبالتالي، حققت هدفها في خنق المواطنين وحبسهم والتحكم حتى في تواصلهم، وهو ما ينطبق على تواصل جغرافيا الضفة مع أراضي الداخل المحتل، ويؤثر في كل مناحي الحياة، إذ يعيق وصول الفلسطينيين إلى الخدمات الأساسية كالرعاية الصحية والتعليم، فضلاً عن قدرتهم على كسب الرزق.
مع ذلك، لا تزال الضفة تقاوم بأضعف الإمكانات والوسائل، من خلال العمليات الفردية أو عمليات الذئاب المنفردة، والتي غالباً ما تكون على شكل حوادث دهس أو طعن. ولكنها باتت تعيش واقع التهجير القسري وما ينجم عن ذلك من تداعيات؛ فهناك نحو 40 ألف فلسطيني نزحوا وهُجّروا من منازلهم في مخيمات شمال الضفة، مع ما يمثله هذا التهجير من انكسار، خاصة في ظل تجاهل احتياجاتهم. والنزوح والتهجير نفسه، عاشته العشرات من التجمعات البدوية في مناطق واسعة في الضفة.
الطغيان ظاهرة بشرية أشار إليها القرآن الكريم بقول الله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى}، فعندما لا يُسيّر الإنسان دِينٌ أو عقلٌ أو قانون، فإنه ينساق لشهوة القوة، ويطغى إن رأى أن نفسه استغنت بالجاه أو بالقوة، وكذا حال الأنظمة الحاكمة والدول، وفق ما يقول الكواكبي في كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”: “إن الحكومة المُستبدة تملك بنفوذها إبطال قوة قيود القانون بما تهوى”.
والطغيان هو التعاظم والكِبر ومجاوزة الحد الذي يسببه الاستغناء بالقوة بأنواعها، فتطغى الدولة وتتكبر وتستعلي. والإفراط في القوة والاستغناء مُهلك للقيم والأخلاق، ويجيز لصاحبه أن يفعل كل موبقة من دون وخز ضمير أو رادع، وهو بالضبط ما فعلته وتفعله “إسرائيل” منذ احتلالها فلسطين، بسبب وقوعها تحت وهم القوة المتفوقة المُحققة لها شعوراً بالعتو والطغيان، فمن طُغيان العصابات إلى طغيان “الدولة”.
وسبب طغيان “إسرائيل” واستعلائها لا ينبع فقط من استبطان الشعور بالقوة المُفرطة، بل ثمة أسباب أخرى تدفعها إلى إشاحة الوجه والإعراض، منها سكوت العالم على استبدادها وخضوعهم اللامتناهي لسلطتها، وربما يفسر هذا موقفها الحاد القاسي تجاه كل من ينتقدها أو يعارض سرديتها، حتى لو كان من أشد حلفائها، لأنها ببساطة لم تعتد منذ نشأتها أن تسمع نقداً أو تتعرّض لمساءلة.
ولأن الفلسطيني في غزة، كما أي عربي حر، على قلة إمكاناته يُعلن رفضه الخضوع لطغيان “إسرائيل” وغطرستها ورفضه حياة الذل والهوان والاستعباد، ويناطح كفه مخرزها، ويقاوم بيديه العُزّل سيفها الحديدي، فيثلمه ويكسر شوكة قوتها المُدعاة وغطرستها، تصبّ “إسرائيل” حمم نارها عليه، فتحرق أطفاله أحياء وتمزق أشلاءهم؛ ففي عالمٍ يُقاس فيه الحق بسلطة القوة لا بقوة الحقيقة، يصبح رفض الطغيان رحلة محفوفة بالقتل والمجازر.
ولأن طغيان “إسرائيل” لا ينبع فقط من فائض قوتها وسكوت العالم عليها، بل يساهم فائض ضعف خصومها العرب، “الرسميون” منهم على وجه الخصوص، في خلق سياق إقليمي ودولي يتقبّل هذه الجرائم والمجازر والانتهاكات الإسرائيلية الصارخة التي لا تقيم وزناً لأحد، سواء في العالم العربي أو الإسلامي أو الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة ومؤسساتها وشرائعها، فقد استقر لدى قادة “إسرائيل”، وفي مقدمتهم رئيس وزرائها نتنياهو، أنه جرى تحييد العرب في هذا الصراع، فالمجازر التي ظلت “إسرائيل” ترتكبها على امتداد عشرة أشهر من هذه الحرب التدميرية تُقدم دليلاً عملياً لا لبس فيه على تحييد الدول العربية من التعاطي مع المجازر الإسرائيلية التي قتلت وأصابت حتى اللحظة قرابة مئة ألف فلسطيني أو يزيد، ودمرت كل سبل الحياة في القطاع.
وسياسة التحييد للعرب انتهت بهم إلى التخلي التام عن فلسطين، فلا استجابة لنداء مُستغيث مذبوح ولا طعام لجائع؛ إنه التخلي في أبشع صوره. هذا المزاج العربي المُتخلي بالتطبيع أو بالعجر أو بالخوف أو ما يمكن تسميته بـ”اللامبالاة المُقعِدة” هو ما خلق اللحظة المواتية لـ”إسرائيل” لإبادة الشعب الفلسطيني في غزة من دون أن ينبس العرب ببنت شفة حتى لو على سبيل الشجب الذي يحفظ ماء الوجه! هذه الجماعات الاستيطانية المتطرفة من جماعات ما يُعرف بـ «تدفيع الثمن» و«شباب أو برابرة التلال» و«لهيفا» وغيرها من التشكيلات الإجرامية، تزداد وتَتفرعن في ظل غياب أي رادع لا قانوني ولا أخلاقي، وهي تجد لها حواضن وتواطؤاً في المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية.
فحسب القناة الثانية عشرة العبرية، فإنه في عام 2022 فُتِح 235 ملف تحقيق ضد مستوطنين على خلفية الاعتداءات التي مارسها المستوطنون بحق الشعب الفلسطيني، وانخفض هذا العدد إلى 150 ملفًا عام 2023، ثم إلى 60 ملفًا عام 2024، ولم يُقدَّم أي لائحة اتهام بحق أي مستوطن في عام 2024، رغم كل الشواهد والحقائق الدامغة حول الجرائم التي ارتكبها ويرتكبها هؤلاء المستوطنون بحق شعبنا الفلسطيني.
جرائم المستوطنين، والتي تحرص إدارة «المأفون ترامب» وقادة دولة الاحتلال والعديد من الدول العربية والإسلامية على وصفها بأنها عنف مستوطنين وليس إرهابًا، في حين عندما يقوم طفل فلسطيني بإلقاء حجر على سيارة مستوطن أو جندي، تُصنّف هذه عملية «إرهابية». هي سيادة المعايير المزدوجة، والتغطية والتستر على جرائم الاحتلال بحق شعبنا الفلسطيني، وغياب للشرعية الدولية والقانون الدولي. وأفضل وصف لتلك المؤسسات ما قاله الرئيس الفنزويلي بحقها، بأنها مؤسسات مشلولة ولا تفعل شيئًا. كيف لا، والرئيس الأمريكي «المأفون» الذي تمارس دولته الإرهاب والتدخل في شؤون الكثير من الدول، طمعًا في تغيير أنظمتها والسيطرة على خيراتها وثرواتها النفطية والغازية والذهب والمعادن الثمينة والنادرة، كما يجري من تحضير لعدوان واسع على فنزويلا، تحت حجج وذرائع «إغراق فنزويلا لأمريكا بالمخدرات»،
في الوقت الذي يعرف الجميع من يقود كارتيلات المخدرات في أمريكا، وكذلك الحال مع دولة كولومبيا ورئيسها غوستافو بيدرو. هذه الهجمة التي تتعرض لها هاتان الدولتان وغيرها من الدول، على خلفية مواقفها مما يرتكبه الاحتلال من جرائم وإبادة جماعية وتجويع في قطاع غزة، هي المحرّك الأساسي لمثل هذه الاتهامات والعقوبات والاعتداءات التي تقوم بها أمريكا ضد هذين البلدين.
وما شجّع ويشجّع المستوطنين على ما يقومون به من «تغوّل» و«توحّش» بحق شعبنا الفلسطيني، هو التستر والتواطؤ معه من قبل قيادات عسكرية وأمنية في دولة الاحتلال، حيث وزير حرب الاحتلال «إسرائيل كاتس» ألغى عقوبة الاعتقال الإداري بحق المستوطنين الذين ينفّذون اعتداءاتهم وأعمالهم الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني، وكذلك فعل شريك حكومة الاحتلال في تلك الجرائم «المأفون ترامب»، حيث أَلْفَى الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس الأميركي بحق عدد من المستوطنين والمنظمات الاستيطانية بفرض عقوبات عليهم، وإن كانت في ظاهر الأمر شكليّة، بمنع دخولهم إلى الولايات المتحدة.
ما قالته صحيفة “إسرائيل هيوم” المحسوبة على اليمين، يدلل بشكل واضح على عمق المأزق والأزمة التي تعيشها دولة الاحتلال، حيث قالت في تقرير لها يوم الإثنين: “إسرائيل في لحظة ‘انكشاف تاريخي’ بعد 7 أكتوبر.. ‘قطيع متوحش وسقوط داخلي وصدمة وانهيار للثقة بالجيش'”.كما كشفت تلك الصحيفة عن حجم التصدع الاجتماعي والانهيار الأخلاقي الذي يضرب إسرائيل منذ هجوم “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










