تتصف الأحلام بعدة أوصاف مشتركة تجعلها تتخطى حدود المنطق وقوانينه التي تحكم الفكر أثناء اليقظة، كما أنها تجهل قوانين الزمان والمكان جهلاً مطبقًا، ويضيف إريك فروم في كتابه “اللغة المنسية”: «ويتصف الحلم أيضًا بأنه يبعث في الذهن أحداثًا وأشخاصًا لم يسبق لها أن خطرت للحالم ببال منذ سنوات طويلة، ولم يكن له أن يتذكر وقائعها في حالة اليقظة أدنى تذكر، لكنها تظهر فجأة في الحلم وكأنما هي أحداث مألوفة تشغل اهتمام الفكر”.
وتعد رموز الأحلام إحدى وسائل فك شفرات الشخصية. إن هذه الرموز – كما يقول سيجموند فرويد – تمكننا في أحوال معينة من أن نؤول حلمًا دون أن نسائل صاحبه الذي لا يملك، في الواقع، أن يخبرنا بشيء عن تلك الرموز؛ فهي تنطوي على معانٍ متعددة تعدد تفسيرات الحلم نفسه، وهو ما عناه فرويد بقوله أيضًا: «إن هذا التكثر في معنى الرموز لا يلبث أن يلتقي بما يتميز به الحلم من قبول تفسيرات متعددة، أي في القدرة على أن يصور في بعض محتواه أفكارًا ورغبات كثيرًا ما تختلف اختلافًا واسعًا في طبيعتها”(ينظر كتاباه: محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي، وتفسير الأحلام)
والأحلام قد تكون أحلام منام وقد تكون أحلام يقظة، والأولى يطلق عليها منامات، وفي كلتا الحالتين ينسحب الإنسان من الحياة بالحلم «في المنامات انسحابه بالنوم، وفي أحلام اليقظة يكون انسحابه بانشغال الفكر وانصرافه تمامًا إلى ما يصرف تفكيره وهو يحلم. وفي المنام يتنبه النائم بأن يستيقظ، وفي حلم اليقظة يتنبه بأن يعود إليه وعيه بالبيئة المحيطة به.. غير أنه في المنام قد يتقنع الحالم، وأما في حلم اليقظة فحضوره صريح وواضح”( د. عبد المنعم الحفني: التحليل النفسي للأحلام، مكتبة مدبولي، 1996، ص279 ).
وتختلف الأحلام عن الكوابيس أو الأحلام المزعجة، حيث يرى بعض علماء النفس والتحليل النفسي أن الأحلام وسيلة لحل الصراعات في أثناء النوم، تلك الصراعات التي تحدث اضطرابات في أثناء اليقظة، ومنهم من يراها وسيلة لاستشراف المستقبل وتوقع ما يحدث فيه والتأهب لذلك، أما الكوابيس والأحلام المؤلمة فهي ترمز للفشل في حل الصراع الدائر أثناء الحلم، أو الذي يدور حوله الحلم أو الكابوس(د. شاكر عبد الحميد: الأدب والجنون، كتابات نقدية، ص45 ).
من هنا نجد توظيفًا للحلم من جانب الكاتبات الروائيات، تعبيرًا عن اغتراب الشخصية الروائية، التي تطاردها الأحلام والكوابيس المزعجة التي تؤرقها وتحيل حياتها جحيما لا يطاق، جراء معاناتها في مجتمع لا يرحم المرأة. ونرصد ذلك من خلال ثلاث روايات على النحو الآتي:
ففي رواية «الحب والصمت» للكاتبة الراحلة عنايات الزيات، كان الحلم وسيلة واضحة للتعبير عن اغتراب بطلتها «نجلاء» وضياعها في بحور هذا الاغتراب الذي لا مرسى له، بما يجلله من اضطراب وقلق وخوف، وقد اختلط في حلمها الليل بالنهار وصارا مزيجًا مخيفًا لا طاقة لها على احتماله، وكلما حاولت الهرب من أحد الأبواب، ملتمسة النجاة منه، لاحقها مارد ضخم يريد أن يطبق عليها إلى الأبد. تقول نجلاء: «وفي لحظة إغفاء عند الفجر هاجمتني أحلام مزعجة.. أنا في مكان كل ما فيه أبيض.. ثم يتسلل اللون الأسود فيطمس اللون الأبيض.. ويبقى لون مختلط من نور وظلمة.. وأنا ضائعة بينهما لا أصل إلى نهار ولا أغرق في ليل.. ولكنني أقاوم وأجري إلى شبه باب في المكان أريد الهروب من هذا الخليط.. انتصب أمامي فجأة كائن عملاق لا ينظر إليّ ولكن يسد الطريق إلى الباب.. فأجرى إلى باب آخر فيلاحقني المارد.. استجمعت شجاعتي ووقفت أصرخ فيه.. استيقظت من النوم وأنا أصرخ.. ضايقني استيقاظي دون أن أصل إلى نتيجة”.
فهذا الحلم يرمز إلى ضياعها واغترابها وغرقها في لجة الحياة الواقعية، كما غرقت في الحلم الذي كان تعبيرًا صادقًا عن ما تضطرم به حياتها من أحزان وكآبة وانغلاق أفق الأمل في المستقبل، جراء الوحدة القاتلة بعد فقدان الأخ الوحيد وفشل تجربة الحب الوحيدة أيضًا التي لم يتسن لها الاكتمال مع حبيبها أحمد. وهو ما عبرت عنه نجلاء أيضًا في حلم يقظة بقولها: «وداهمني النوم فجأة. ثقل رأسي وشد جسدي إلى الأرض فتداعيت تحت شجرة عجوز وسقطت في غيبوبة غير كاملة.. نائمة يقظة أحلم وأشعر بشكل غامض بما يجري حولي .. أحمد يبدو في طريق غريب متلاشيًا في البعد ولا سبيل إلى الوصول إليه .. نباح كلاب يصل إلى أذني.. والشمس تخطو آخر خطواتها نحو المغيب وبضعة عصافير تزقزق في إيابها إلى أعشاشها.. والمزرعة تلفها نسمة باردة ترعشني والسحب تتلون بألوان ثقيلة .. رمادية .. بنفسجية وسوداء.. وتبدو مطرزة بماسات النجوم وأنا غريقة في بحار أحزاني.. شبه نائمة.. لا أريد أن أصحو وليست عندي المقدرة على انتزاع نفسي من تلك البحار اللزجة».
كما كانت الأحلام مصدر قلق وخوف واضطراب بهية شاهين بطلة رواية «امرأتان في امرأة» للكاتبة نوال السعداوي، فبهية تلك الفتاة المضطربة اجتماعيًا، جراء شعورها بعدم المساواة مع الرجل ومعاناتها القمع في مجتمع ذكوري قاهر، تشعر بالمطاردة الدائمة لها من جانب الرجل، ولعل في الحلم الذي حلمت فيه بمحاولة اعتداء أستاذها د.علوي عليها ما يجسد ذلك، فقد «رأته مرة في أحلامها. كان يرتدي قميصًا وبنطلونًا، وجسمه ممشوق كشاب رياضي، وذراعه مشعرة محمرة ملوحة بالشمس، رفعها وحاول أن يضمها لكنها أفلتت. استطاع أن يحوطها بذراعيه الاثنتين ونزع يدها من فوق شفتيها وقبلها. وصحت من النوم وهو لا يزال يقبلها، وحين دفعته بيدها ولم تجد أحدًا أدركت أنها كانت تحلم»، فهذا الحلم يرمز إلى ما سبق أن أشرنا من شعورها الدائم بالقهر من جانب الرجل أبًا، وأستاذًا في الجامعة، وكل أفراد المجتمع من الرجال، فتجسد ذلك في خوفها الدائم في الواقع والأحلام.
وفي رواية «أشجار قليلة عند المنحنى» لنعمات البحيري، تعبر بطلتها أشجان عن اغترابها عن طريق هذا الحلم الذي تهرب فيه من حاضرها المرير، بعد زواجها من العراقي عائد حسون وسفرها للإقامة معه في بلده الذي تسوده أجواء الحرب والخراب والدمار، فكان الحلم هروبًا من ذلك الواقع الصادم إلى المستقبل الجميل الذي يسوده الشعور بالأمان والاطمئنان، بعيدًا عن أجواء الحرب والتطاحن والنميمة. تقول: «سأبدأ بحلم عادي.. أن أضل الطريق يومًا، وأدق باب امرأة طيبة لا تلبس السواد حتى لو كانت تسكن مقبرة أو عشة من صفيح، سأدعها تعد لي طعامًا، وتمنحني وقتًا لأغسل وجهي وشعري، وأنفض ثيابي من غبار الطريق وأوراق الشجر اليابسة التي سقطت على شعري وثيابي، ثم أنام في حضن البيت وابتسامة المرأة. حين أصحو، ألعب مع أطفال يعرفون الابتسام، متمنية ألا يحين أوان الرحيل، أو يجول في خاطري أن أضل الطريق إلى امرأة أخرى، ليس على جدار بيتها لافتة من السواد مكتوب عليها اسم زوجها أو ابنها أو أخيها الشهيد فأعيش بين جدران بيتها أيامًا”.
ويتجلى اغترابها أيضًا في ذلك الحلم الذي تروي فيه خيبة أملها بعد إقامتها، بصحبة زوجها عائد، في العراق، حيث ظنت أنها ستنزل أرض الأحلام الجميلة والمشاعر الرومانسية الدافئة، لكنها اصطدمت بأجواء الكآبة والحزن المقيم تقول: «ذات يوم حلمت أنني أرتدي فستان الفرح الأبيض وأن عائد جاء للقائي في المطار، وحين ركبت إلى جواره في سيارته البيضاء الفارهة، توهج وجهه بالابتسام والفرح، ثم أدار الكاسيت بموسيقى ناعمة، وأحكم غلق النوافذ والأبواب وجعل التكييف باردًا ينشر هواء رطبًا، وحين سألته عن سر إغلاقه للموسيقى الناعمة، أخبرني أنه ينتظر موسيقى واحدة هي صوت الطريق وأنفاسنا”.










