لسنا والحمد لله من دراويش الناصرية بحيث نرى كل ما كان فى الخمسينيات والستينيات كان عظيما وجميلا، وفى الوقت نفسه لسنا من جرحى ثورة يوليو بحيث لا نرى فيها إلا كل ما هو سىء، وإنما نحاول دائما أن نُعمل القانون التاريخى الذى يرى فى كل ما حدث: له ما له، وعليه ما عليه..
فإذا جئنا للشأن الثقافى، فلا يستطيع إلا مكابر ألا يرى ما كان من ازدهار لا تخطئوه عين، خاصة إذا ما قارنا بما كان فى هذين العقدين، وما شهدته مصر منذ السبعينيات، حتى قيام ثورة يناير 2011
فإذا جئنا إلى المجلات الثقافية على سبيل المثال، وهى فى رأينا مؤشر مهم من حيث إتاحة الفرصة لمختلف الكتاب أن ينشروا فكرهم واجتهاداتهم شهريا مثلا، وبالتالى إتاحة الفرصة لآلاف من القراء أن يطلعوا على زاد ثقافى مهم بأسعار زهيدة.
وإذا جلنا بأنظارنا فى مشهد مصر الثقافى المعاصر، فسوف لا نجد من المجلات ذات الوزن الثقيل إلا مجلة الهلال، والتى هى والحمد لله مستمرة منذ مائة وخمسين عاما.
لكن، منذ فترة وجيزة، اختفت مجلة ( أدب ونقد) التى كانت تصدر عن حزب التجمع بما تحمله من صور نقد وفكر يتجه اجاها يساريا.
ومن قبلها اختفت من على الساحة الثقافية مجلة ( سطور ) التى كانت تصدر بجهد فردى من الدكتورة فاطمة نصر..وقد أثرنا قضية المجلة فى بريد الأهرام عندما كانت توشك أن تختفى قبل اختفائها الأخير، وساعد هذا على استمرارها بعض الوقت ، لكنها لم تستطع أن تقاوم طويلا كثرة التكاليف، مع قلة التوزيع، بسبب ما حدث على وجه العموم من تسطيح وتجريف فكرى، أبعد كثيرين عن القراءة بزعم أن الشبكة العنكبوتية قد أصبحت تقدم ما يريده الإنسان بغير تكلفة على وجه التقريب.
فهنا يظهر دور الدولة، الذى اختفى، فمعروف أن الكتب والمجلات الثقافية قليلة التوزيع، كثيرة التكاليف، فتظهر الحاجة إلى صورة من صور الدعم الرسمى، باعتبار الثقافة غذاء العقول، وزاد الأرواح.
ولو تذكرنا ما كان يصدر قبل السبعينيات من مجلات ذات وزن ثقيل، فسوف نجد الأهرام كان يصدر مجلة ( الطليعة ) التى كان يرأسها ” لطفى الخولى”، ليطل القارئ من خلالها على أحد أجنحة الفكر اليسارى. كما كانت هناك مجلة ( الكاتب )، والتى مثلت بدروها زاوية رؤية مغايرة للطليعة على الفكر اليسارى.
كما كانت هناك مجلة ( المجلة ) التى كانت تصدرها وزارة الثقافة، والتى أنشأها الراحل فتحى رضوان، وكانت من النوع الرصين ، ثقيل الوزن الفكرى، ورأس تحريرها الدكتور حسين فوزى ، ثم يحيى حقى.
أما مجلة ( الفكر المعاصر) فقد كانت من نوع خاص، تنحو نحو الدراسات الفكرية المتعمقة، ويكفى أن تعرف أن رئيس تحريها الأول كان الدكتور زكى نجيب محمود، ثم تلاه الدكتور فؤاد زكريا، وكلا الرجلين ليسا بحاجة إلى تعريف بالنسبة لوزنهما الفكرى فى تاريخ الثقافة العربية.
كذلك كانت هناك مجلات ” نوعية ” مثل المجلة الخاصة بالمسرح..
كل هذه المجلات اختفت تدريجيا مع بدء السبعينيات، وكان الاختفاء صورة من صور الانتقام من العهد الناصرى بشكل يتسم بالغباء الشديد. فمن الطبيعى ألا يرضى البعض بهذا العهد، لكن: ما ذنب المواطنين فيُجرَمون من هذا الزاد الثقافى العظيم ؟ وما ذنب الثقافة أن تكون ميدانا لمثل هذا الانتقام الرخيص؟
والأجيال المعاصرة، لا تعرف أن قد كانت هناك سلاسل شهرية أخى، تباع بقروش زهيدة، يكفى أن نشير، على سبيل المثال، إلى سلسلة ( أعلام العرب ) التى كانت تباع بخمسة قروش فى بداية صدورها، كتب فيها أعلام الفكر والثقافة مثل عباس العقاد وزكى نجيب محمود، وعدد من كبار أساتذة التاريخ والأدب، عن جابر بن حيان، ومحمد عبده، وساطع الحصرى، وعبد الملك بن مروان، والكندى، وغيرهم كثيرون…
كذلك كانت هناك سلسلة كتيبات صغيرة، تصدر نصف شهرية، وصدق أو لا تصدق أن العدد كان بقرشين صاغ، اسمها ( المكتبة الثقافية )، لم يَحُل صغر حجمها ورخص سعرها بينها وبين أن تحظى بجهود كبار المفكرين والمثقفين، فضلا عن الأساتذة المتخصصين فى ألوان شتى.
ولا أستطيع أن أنسى، سلسلة نادرة حقا، عظيمة فعلا، كانت تسمى ( تراث الإنسانية ) ، حيث كان كل عدد منها يحمل تلخيصا وشرحا لأعظم الأعمال الفكرية الخالدة، ذات الأثر الحضارى الممتد على مر العصور، مثل جمهورية أفلاطون، وآراء أهل المدينة الفاضلة للفارابى، وندءات الفيلسوف فيشتة” للأمة الألمانية…وهكذا .
كذلك كانت هناك سلسلة لترجمة روائع المسرح العالمى، كان يشرف عليها أساتذة كرام من كليات الآداب بأقسام اللغات الأجنبية، وخاصة الإنجليزية.
أما إذا جئنا إلى المسرح، فحدث فيه أيضا ولا حرج، وخاصة – مرة أخرى – إذا قارنته بالغثاء الذى يُقدم منذ أوائل السبعينيات..
كان المسرح يقدم أعمالا لكوكبة فريدة حقا، مثل: نعمان عاشور، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وسعد الدين وهبة، وعبد الرحمن الشرقاوى، وعلى أحمد باكثير، وألفريد فرج ، فضلا عن المسرحيات المترجمة.
ولا أستطيع أن أنسى مسرحية مثل ( الفتى مهران ) لعبد الرحمن الشرقاوى، حيث بطلاها العظيمان : عبد الله غيث، وسميحة أيوب…كانت مسرحية شعرية، ولكن، كان التصفيق حادا دائما عقب كل مشهد إلى درجة إلحاح الجمهور على الإعادة، خاصة وأن المسرحية كانت تمس وترا حساسا، يتصل بأسلوب الحكم، وغمز ولمز بالنسبة لحرب اليمن، حتى أنها لم تستمر طويلا على الرغم من الإقبال الجماهيرى الكبير.
حتى المسرح الكوميدى، شهد أزهى عصوره، ويكفى أنه هو الذى أتاح الفرصة لكثيرين أبرزهم فؤاد المهندس، ومحمد عوض وعبد المنعم مدبولى، وأمين الهنيدى، وكان ظهور عادل إمام لأول مرة فى مسرحة المهندس( أنا وهو وهى ) حيث لفت الأنظار بشكل واضح.
تلك مجرد ” قطرات ” حقا من بحر واسع، مما وعته ذاكرة كاتب هذه السطور، التى شاخت، بحكم تقدم السن..
وأتلفت حولى فأرى أن كل هذه اللأضواء قد أُطفئت بفعل فاعل، أراد لهذا البلد أن يُجرف، فى كل الميادين، لا السياسية فقط والاقتصادية، بل والفكرية والفنية والثقافية، وإن كنت لا أستطيع أن أغض الطرف عن إضاءة مهمة، هى الحسنة الوحيدة لهذه الحقبة المباركية السوداء، ألا وهى الخاصة بمكتبة الأسرة..فهى فعلا عمل عظيم لا يستطيع أحد أن ينكره.
وعندما يتردد على ألسن كثيرين فى أيامنا الحالية شعار ” استكمال الثورة “، أرجو أن ينتبه المعنيون إلى بناء العقول، فإذا صح أن العقل السليم فى الجسم السليم، فيصح أيضا القول بأن العقل المسطح لابد أن ينتج بدوره جسما معتلا.










