أركيولوجيا الذاكرة حين تنسى نفسها
تناديني في آخرِ المساءِ،
حين يصبحُ الليلُ أكثرَ بياضًا من الفجر،
وتتركني معلّقًا
بين أفقٍ يهربُ إلى الخلف،
وخطوةٍ تتقدّمُ نحو الفناء دون أن تتحرّك.
أمدُّ يدي
فألمسُ ما لم يحدث،
وأجمعُ ما تبقّى من أصواتٍ
لم تُنطق قط،
ثم أضعُها في جيب الظل
كي لا يراها الضوء.
ذاكرتي عجوزٌ منفية
تتذكّرُ المستقبل،
ونسياني طفلٌ
ينسى ما سيأتي.
كلاهما يتعثران بي
كأني الطريقُ الذي لا يؤدي إلى نفسه.
على سطح مجره تائهه
أكتبُ اسمكِ…
فيمحو الورقُ حبرَه،
وأغلقُ عينيّ كي أراكِ،
فيعتريني هذا البصرُ العميق
المتربع في الثقب الإسود
الذي لا يرى شيئًا.
كلما أقتربُ منكِ
يتّسعُ بُعدُك،
وأبتعدُ عنكِ
فتزدحمُ المسافةُ بحضوركِ،
حتى يغدو الهواءُ بيننا
أكثرَ صلابةً من الحجَر.
أصرخُ دون صوت،
فينكسرُ الصمتُ
على شكل موجةٍ
غارقة في بحر شديد الزرقة،
وأتنفّسُ بثقلٍ
كمن يسحبُ الأكسجين
من فم العدم.
كلُّ ما فيّ يقول إنني هنا،
وكلُّ ما حولي
يقسمُ أنني لم أصل بعد.
وهكذا أستمرُّ:
أمشي بلا أثر،
وأتركُ أثَرًا
يمشي دوني عند حدود الافق.
وفي كلِّ مساءٍ
تناديني…
بعد غيابٍ لم يحدث،
وقمرٍ لم يكتمل حين فقد ظله
بليل مساؤه مكسور
فأجيء إليكِ
محمولًا على ذاكرةٍ
معلقة بفكرة النسيان،
ونسيانٍ
يحفظُ ما لم تسطره دفاتر الذاكرة.
فأنا كلما إبتعدت عنك
أنجذب إليك أكثر….
لأعلق على جدارك ساعة النسيان.










