سامحوني سادتي: أعترف أن روحي لم تتوافق أبداً مع تلاوة القُراء الخليجيين للقرآن الكريم ، رغم طغيانها في مصر منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي وحتي اليوم ، فلا يخلو بيت ولا دكان ولا مكان فيه تلفزيون ، إلا وتتسمع منه صوت السديسي والحذيفي والغامدي والشريم والمعيقلي ، علاوة علي الانتشار الرهيب في زوايا ومساجد السلفيين ، وتعمد الكثيرين منهم تقليد هؤلاء المُقرئين !!.
وإذا ما أبديت امتعاضك ، صاحوا في وجهك : هذا قارئ الحرم المكي يا رجل ، وذاك قارئ المسجد النبوي يا شيخ ، فكيف ترفضه ، وتتعب عقلك في جدال عقيم لاجدوي منه ، مع عقول مُتحجرة !!.
رغم أن الأمور تخضع للذوق والراحة النفسية ، وَأنا ذوقي وراحتي النفسية لا تنسجم مع تلك التلاوات المتعجلة الملهوجة السريعة ، الجافة اليابسة ، وكأنك تسير في الصحراء حافياً ، تتقافز حتي لاتلهب قدميك رمال الصحراء الملتهبة في قيظ الصيف !!.
صحيح أنها تتفق وقواعد التجويد بدقة عالية ، واتقان عظيم ، لكنها لاتخترق شغاف قلبي ، ولا تمس مشاعري ، وإنما ترتفع بدقات هذا القلب كمن يجري لاهثاً في سباق !!.
أنا – ياسادتي – ابن النيل ، أنا ابن الشيخ رفعت ومصطفي اسماعيل والمنشاوي وعبد الباسط ، أنا الذي اخترعت الناي ، حين صنعته من البوص المنتشر علي ضفاف نهري الخالد ، وجعلت من هذا الناي سبيلاً للتنفيث عن همومي ، وبث آهاتي وشكواي وآلامي ، أنا ابن ياليل ياعين ، وموال الصبر الحزين !!.
وحين أستمع إلي واحد من أساطين القُراء في مدرسة التلاوة المصرية ، أشعر كأنه صدي صوت الملائكة تتردد في سرداب طويل ، في عمق جبل ، صوت يملأه الحنين ، كأنه قماش من القطيفة ، رهيف مثل الحرير ، ناعم مثل الستان ، سخيّ مثل الصوف الامبريال ، هادئ رقراق ، ينساب في عذوبة النيل ، مزيج من الطرب والشجن والفن والسحر والإجادة !!.
يقول المصريون عن صاحب الصوت الجميل ( حِسه حلو ) ، فهو إحساس ورقة شعور ، واندماج عاطفي في الكلمات العبقرية والصور والأخيلة العظيمة لكلام الله سبحانه !!.
وهو ( حِس حلو ) ، والحلاة غير الجمال ، الجمال شكل تراه العين ، الحلاوة طعم يرطب الحلق ، وينعش الروح ، ويغمر النفس بهجة ، ويملأ الجوانح فرحا !!.
فاعذروني – سادتي – أنا مُنحاز حد التعصب لمدرسة التلاوة المصرية ، وأري فيها ذاتي وكينونتي وهويتي وإشباعي ، وليسامحني أهل التلاوة الخليجية ؛ فإنها لم تستهوني يوماً ، وأظنها لن تستهويني أبدا !!.










