عرفت مصر- فى عهد الفراعنة عندما ضعفت الأسرات – غزوات أجنبية كثيرة, ومعظمها ذاب فى مصر, لدرجة أن اليونانيين عندما غزوا مصر عن طريق الإسكندر الأكبر عام 332 قبل الميلاد, كان قانونهم يحظر زواج الأخ من أخته, ولكن القانون الفرعونى كان يجيز زواج الأخ من أخته, فأخذوا بهذا القانون وغيره الكثير فى تاريخ القانون, ومعنى ذلك أن معظم القوى المجاورة لمصر كانت تغزوها عندما تضعف .
فقد غزا الفرس مصر أيام الفراعنة, ومكثوا مئات السنين, واختلطت الثقافة المصرية الفرعونية بثقافة الفرس, ولا تزال اللهجة المصرية تحمل بصمات لهذه الغزوات , وكانت الحملة التى قادها الإسكندر الأكبر ظاهرة فريدة, لدرجة أن اليونانيين مكثوا فى مصر قرونا طويلة وتشربوا من حضارة المصريين, ويقال إن الإسكندر الأكبر كان يبحث عن اخناتون إله التوحيد فى مصر الفرعونية, ولكن الغازى الشاب أكمل طريقه إلى الهند, ومات هناك بالحمى.
ثم جاء الرومان بعد تطور الحكم اليونانى لمصر, وكانت كليوباترا آخر ملوك البطالمة اليونانيين، وأعتزت بمصريتها خلال الغزو الرومانى لمصر فى موقعة أكتيوم البحرية عام37 قبل الميلاد, وكتب عنها أحمد شوقى مسرحية “مصرع كليوباترا” فى أوائل القرن العشرين, وأكدت أنها واجهت الرومان بصفتها مصرية بنت مصر وملكة مصر, ولكن الرومان عادوا السيد المسيح, ولم يعتنقوا المسيحية عندما ظهرت فى فلسطين ومصربعد ذلك, وقصة ديقلديانوس فى التاريخ المصرى كانت معروفه عندما اضطهد كل مسيحى فى مصر, ففر الرهبان إلى وادى النطرون خوفا من هذا الباطش, فلما اعتنق امبراطور روما المسيحية بدأ عصر جديد, وكانت مصر فى العصر الرومانى درة التاج الرومانى, واتخذ الرومان من مصر سلة الغلال فى جميع ارجاء الامبراطورية, ولما جاء العرب المسلمون عام 639 ميلادية قاتلوا الرومان, ولم يقاتلوا المصريين, وليس صحيحاً أن المسيحيين كانوا هم الفراعنة, وانما الصحيح أن كل مصر قبطى من حيث النوع, وليس من حيث الديانة, فلم يحارب العرب المسلمون المسيحيين, وانما احتضنوهم, وضمنوا لهم حرية العقيدة, وفقا لروح الإسلام, والسؤال الكبيرهو: لماذا اعتنقت مصر الإسلام والعروبة على يد العرب المسلمين؟ بداية فإن كلمة الفتح العربى الإسلامى لمصر ليست دقيقة, وانما الصحيح- كما يرى الدكتور عبد الله الأشعل السفير المصرى الأسبق- هو أن العرب المسلمين حرروا المصريين من قبضة الرومان, وليس صحيحاً أن الإسلام انتشر فى مصر بحد السيف, والا كان قد خالف العقيدة الإسلامية التى محلها القلب, ولا يمكن اجبار القلب على قبول ما لا يقبله وفى القرآن الكريم كما فى السنة المطهرة أمثلة كثيرة لذلك.
وقد أكد الرسول الكريم – كما أكد الفلاسفة – أن العروبة ثقافة, وليست عرقا,ً وأن الرسول الكريم وضع معيارا للعروبة هو من تكلم العربى فهو عربى بصرف النظر عن أصوله الدينية والعرقية, والقرآن الكريم نزل بلسان عربى مبين, فنزل فى الجزيرة العربية وقرىء فى مصر, كما أن حفظه تم فى مصر, وأصبحت مصر مسلمة بإرادتها, ولم يرغم أحد من سكانها على الإسلام, وإنما حرر المسلمون العرب ارادة المصريين التى كانت محكومة من الرومان, فهزم المسلمون العرب الرومان, ولم يهزموا المصريين, ولم يفرضوا الإسلام على المصريين, لأن ذلك يجافى تعاليم الإسلام, والعلاقة بين العروبة والإسلام علاقة اساسية, فالعروبة جسد والإسلام روح, ولذلك انتشر الإسلام بعيدا عن العروبة.
صحيح أن كل عربى مسلم, ولكن ليس صحيحا أن كل مسلم عربى, هكذا انتشر الإسلام بعيدا عن العروبة وإن كان العرب هم الذين نشروا الإسلام فى أوروبا وامبراطورية الأندلس شاهدة على ذلك, حيث كانت أوروبا مسيحية, ولكن الإسلام يضم جميع الشرائع السماوية وجوهره التوحيد.
وتعرضت مصر بعد ذلك لغزوات كثيرة, ولكن هذه الغزوات لم تؤثر على ديانة مصر التى أصبحت إسلامية وعروبة مصر, وقد غزا المماليك مصر, ثم جاءت الغزوات العثمانية التى تآلفت مع المماليك, ثم بعد ذلك جاءت موجة الغزوات الأوروبية فى القرن الثامن عشر والتاسع عشر.
والإسلام لا يعرف الوساطة بين الخالق والمخلوق, فلامكان للجماعات الإسلامية فى الإسلام, تطبيقا للأحاديث النبوية المشرفة والأحاديث القدسية أن الله يطلع على الأفئدة قبل أن يسمح دعاء المظلومين, وأن الله يمد يده بالليل ليتوب مسيؤو النهار ويمد يده بالنهار ليتوب مسيؤو الليل , فعروبة مصر وإسلامها بدأت فى وقت واحد, وهذه الحملة التى تريد أن تسلب مصر من عروبتها وإسلامها مقصودة, وتقودها إسرائيل والصهيونية العالمية, لأن إسرائيل مع أمريكا تريد إغفال العالم العربى والإسلام واظهار الشرق الأوسط الجديد وتسود الديانة الابراهيمية حتى يطمس الإسلام, ويقضوا على عروبة مصر وإسلامها, فكأن هذه الحملة على عروبة مصر وإسلامها تستهدف ضياع العروبة والإسلام معا فى قلعتهم وهى مصر, وأغرت إسرائيل بعض العرب والمسلمين للتخلى عن عروبتهم وإسلامهم, وأحدثت فتنة فى الصراع على السلطة فى كل المنطقة, فيجب على كل المصريين أن يتنبهوا لهذه الحقيقة, ولا يجوز أن تقع طائفة من المصريين فى هذا الضلال , فالمصرى مصرى أولا قبل أن يكون مسلما أو مسيحياً أو يهودياً, فالانتماء لمصر قبل الأديان والشرائع, فلا وجه للمقارنة بين فئات المصريين وعصور التاريخ, فمصر ايقونة تاريخية حضارية لكل المصريين أيا كانت عقائدهم .
فالعقيدة المصرية تسبق الشرائع السماوية, ومن حسن الحظ أن الشرائع السماوية تؤكد هذه الحقيقة, فيجب على جميع المصريين أن يكون لديهم وعى بهذه الحقائق, ولذلك فإن ما يسمى الفتنة الطائفية كانت دخيلة على ثقافة المصريين والهدف منها الصراع على السلطة, فكل مصرى ينتمى لعقيدة المصريين وحب الوطن يختلط أحيانا فى الإعلام المصرى بحب السلطة, والسلطة فى الواقع أداة مستحدثة لادارة البلاد, وليست جزءا من ثقافة المصريين, وتطبيقا لذلك نرحب بأى أعتزاز بفترة من تاريخ مصر, ولا يجوز فصل هذه الفترة عن سياقها التاريخى, فمصر فرعونية قبطية إسلامية ومعاصرة, وأهم دراسة للوعى فى مصر هى هذه الحقائق, فلا يجوز الالتفاف عليها وطمسها, فمكونات مصر منسجمة مع بعضها وأى محاولة لفصل تاريخ مصر عن سياقه التاريخى محاولة مشبوهة نرفضها ونحاربها, فمصر موحدة على النيل كما يقول جمال حمدان وعصية على التقسيم, فلا يجوز التساهل مع مخطط تقسيمها الصهيونى.
ولذلك منذ قيام إسرائيل اتخذ ت مصر موقفا يليق بأمنها القومي فقررت أمريكا وبريطانيا أن إسرائيل فى ظل مصر القوية لن تزدهر, ولذلك بدأت المؤامرات على مصر منذ قيام إسرائيل, فمصر هى البداية والنهاية لكل دول المنطقة, ويوم أن عزل السادات مصر عن قيادة المنطقة واستبدل عروبتها وإسلامها بالصهاينة كحلفاء اختل ميزان القوة فى المنطقة كما يرى الدكتورعبد الله الأشعل السفير المصرى الأسبق, لكنى أختلف معه تماما, ولذلك يجب على كل المصريين أن يدركوا هذه الحقائق, وأن يدافعوا عنها ضد كل معتدى سواء من داخل المنطقة أو من خارجها, وأظن أن هذه الحقائق يجب أن تتضح فى الإعلام المصرى, ويجب أن يعيها المصريون جميعا فى داخل مصر وخارجها, فليست القضية مجالا للمزايدة, وأى محاولة لطمس هذه الحقائق هى طريق لنزع العروبة والإسلام من قلوب المصريين, وأظن أن ملحمة غزة كانت اختبارا لذلك, وكره المصريين لاسرائيل ليس له علاج إلا بزوال إسرائيل, فسفير إسرائيل أجرى مقابلة موسعة مع صحيفة “المصرى اليوم” منذ سنوات قال صراحة: إنه لا مشكلة فى العلاقات مع الحكومة المصرية, وأنه مكلف بإستمالة المصريين إلى إسرائيل, فالمصريون جينيا يكرهون المعتدى, ويعلمون أن إسرائيل مجموعة من اللصوص الصهاينة وسوف تزول قريبا, ولذلك المصريون جميعا على قلب رجل واحد فى كراهية إسرائيل.










