لا يمكن فهم إنجاز أي شخصية كبرى بمعزل عن الحقبة الزمنية التي عاشت فيها. فالتاريخ ليس إطارًا محايدًا يُعلَّق عليه الحدث، بل هو عنصر فاعل في تشكيل الوعي، وصناعة الفكر، وتوجيه مسارات الإنجاز. من هنا، يصبح تناول أي شخصية مؤثرة دون الإشارة إلى زمنها وسياقها التاريخي و السياسي والجغرافي طرحًا مبتورًا، يُفرغ الإنجاز من كثير من معانيه.
في الأدب، لا يُذكر المتنبي دون سيف الدولة الحمداني، ولا يُفهم ابو العتاهية والبحتري وأبوالعلاء المعري خارج مناخ الدولة العباسية ورعايتها السياسية والثقافية. وفي الفكر والعلوم، لا يمكن قراءة الرازي أو ابن سينا دون استحضار الدول التي احتضنت علمهما ووفّرت لهما بيئة البحث والتأليف. فالجغرافيا والسياسة والتاريخ ليسوا تفاصيل ثانوية، بل ركائز أساسية في تكوين التجربة الإنسانية وإنتاجها المعرفي والفني.
انطلاقًا من هذا الفهم، يبرز الإشكال الجوهري في فيلم «الست». فعلى الرغم من الإمكانيات الإنتاجية الضخمة والقدرات الفنية الواضحة، إلا أن العمل تجاوز – أو تجاهل عمدًا – العوامل الحقيقية التي صنعت ظاهرة أم كلثوم، سياسيًا واجتماعيًا وفنيًا. فقد غاب عن الفيلم ذكر الملحنين الكبار الذين شكّلوا العمود الفقري لمسيرتها الغنائية، والذين لولاهم لما وصل إلينا هذا الإرث الخالد: رياض السنباطي، بليغ حمدي، محمد عبد الوهاب، وغيرهم. لم يحضر هؤلاء لا بوصفهم شركاء في صناعة المجد، ولا حتى كإشارات عابرة تحفظ للتاريخ توازنه.
الأكثر إرباكًا أن الفيلم كرّس ما يقارب الساعتين والنصف لفترة البدايات، وهي مرحلة – على أهميتها الإنسانية – لم تكن الأكثر ثقلًا أو تأثيرًا في تشكيل مكانة أم كلثوم الفنية. في المقابل، جرى اختزال أو إقصاء المرحلة الأهم في مسيرتها، وهي سنوات النضج والإبداع والتعاون مع كبار الملحنين والشعراء، تلك الفترة التي صنعت الظاهرة الكلثومية بوصفها مشروعًا فنيًا عربيًا متكاملًا.
كما أن البناء السردي للفيلم لم يكن موفقًا؛ فالانتقال من مسرح باريس إلى البدايات ثم العودة إليه مرة أخرى أربك خط الحكاية وأضاع البوصلة لدى المشاهد، خاصة الأجيال الجديدة التي لا تمتلك معرفة مسبقة بالسياق التاريخي ولا مفاتيح قراءة هذا التداخل الزمني. بدا السرد وكأنه يدور في حلقة، بدل أن يتقدّم تصاعديًا مع تطور الشخصية وتجربتها.
في المحصلة، لا يبدو أن الفيلم قد أنصف تاريخ «الست»، بل قزّمه واختزل مسيرتها في جزء محدود من زمنها، على حساب أكثر من عشرين عامًا من العطاء الحقيقي، والتجربة الفنية العميقة، والتفاعل الخلاق مع عباقرة التلحين والشعر . وهو اختزال لا يمكن اعتباره خيارًا فنيًا بريئًا، بقدر ما هو إعادة تشكيل للتاريخ وفق انتقائية تخدم رؤية محددة، ولو جاء ذلك على حساب الحقيقة والإنصاف والوعي الجمعي.
وحين يُختزل التاريخ، لا نخسر الماضي فقط، بل نُضلل الحاضر، ونشوّه الذاكرة التي تُبنى عليها أجيال قادمة.










