لم تكن القرية تُرى من الأعلى. الطائرات تمرّ فوقها دون أن تُخفض جناحيها، والخرائط تتركها بيضاء، كفراغٍ متعمَّد، كأن العالم اتفق على شطبها كي لا يرى عورته. كانت قرية بلا اسم حقيقي، وبلا ذاكرة رسمية، تعيش على هامش الزمن، وتتنفّس العطب كما يتنفّس الناس الهواء. يولد الأطفال فيها وقد سبقهم الفقر إلى أفواههم، يرضعونه مع الحليب، ويكبرون على رائحة الخمر الرخيص، والعرق المتخم باليأس، والرذيلة التي لم تعد تخجل من ضوء الشمس.
لا مدرسة تُعلّم سوى مدرسة الشارع، ولا مستشفى يُداوي سوى مسكنات النسيان، ولا قانون يحمي سوى قانون الغاب. وحده السجن كان شامخًا، إسمنتا مسلحا بالرهبة، كأنه المؤسسة الوحيدة التي استثمرت فيها تلك الدولة بجدّ. وإلى جواره مخفر شرطة يشبه مسلخا، وخمارة لا تغلق أبوابها، وبيوت تبيع الأجساد نهارًا بلا خوف، وليلًا بلا أسماء حين يكتمل القمر وتتكامل الخطيئة.
في هذا الركام عاش “فيكتور”. رجل لم يكن يشبه المكان، كأنه خطأ جميل في صفحة قذرة، أو جملة صادقة تسلّلت إلى كتاب كُتب بالكذب. كان طبيبا صيدليا، درس العلم بظهر محنيّ، بإصرار الفقراء الذين يعرفون أن الشهادة ليست سلّما للصعود، بل أحيانًا حبل نجاة من الغرق. عاد بشهادته لا ليصعد، بل لينزل. لينحني. ليضع يده على الجراح المفتوحة، تلك التي لا تراها الدولة لأنها لا تنزف أمام الكاميرات.
آمن بالحلال لا لأنه قدّيس، بل لأنه جرّب القذارة وعرف كيف تلتهم الإنسان من الداخل، ببطء، دون صوت. لم يعرف الغش، ولم يمد يده للخيانة، وكان يدرك، بوعيٍ مرير، أن النزاهة هنا ليست فضيلة تُكافأ، بل جريمة مؤجلة، وأن الصادق في بلاد العطب يعيش كمن يحمل شمعة وسط مستودع بارود. وكان يردّد في داخله، دون أن يقرأه في كتاب: الإنسان يولد حرًا، لكنه في كل مكان يُستعبد، لا بالسلاسل دائمًا، بل بالجوع والخوف.
كان “فيكتور” يرى كل شيء. يرى الشباب وهم يتحوّلون إلى هياكل تمشي، عيونهم زجاج، وصدورهم مقابر مفتوحة. يرى الأجساد النحيلة ترتعش بحثًا عن السم الأبيض، ذلك الثلج الذي لا يبرّد شيئا سوى الضمير. يرى العقول تحترق بالكوكايين والهيروين، وتنهار كما تنهار البيوت الطينية تحت أول مطر. ويرى، فوق ذلك، الأباطرة: غرباء بملابس أنيقة، يملكون ضيعات مسوّرة بأسلاك أعلى من القيم، يصنعون فيها السموم، ويغذّون بها قرية كاملة. وكان يعلم، بعينٍ خبيرة بالحياة، أن هؤلاء لا يعملون وحدهم، فالشر، كما قال أحد الحكماء، لا يعيش إلا محميًّا، ولا ينجح إلا حين يلبس قناع النظام.
وفوق الجميع، كان يقف “إزيس”. نائب رئيس الشرطة. رجل ظالم وسادي، منتفخ بالسلطة، فارغ الروح. يعرفه الجميع، ويخافه الجميع، لا لأنه شجاع، بل لأنه جبان محترف. يعشق السلطة كما يعشق الجبان السكين من خلف الستار. لا يواجه، لا يقاتل، لا يقف في العراء. ينتقم في الظل، يكتب التقارير كما تُكتب الوشايات، ويكسر الناس دون أن تتلطّخ يداه. لم يكن رجلًا، بل ذكرا يحمل جسدا ورتبة، بلا موقف، بلا شرف، بلا التزام.
كان “فيكتور” يعرف أن الرجولة لا تُقاس بالصوت العالي ولا بالنجوم المعلّقة على الكتف، بل بالعدل، بالحماية، بتحمّل المسؤولية. وكان يعرف أيضًا أن الذكورة تُولد، لكن الرجولة تُصنع، وأن القائد السادي “إزيس” لم يصنع في حياته سوى الخراب. وكان يمرّ بجانبه أحيانًا، فيخفض رأسه لا خوفًا، بل احتقارًا صامتًا، كمن يمرّ بجانب مستنقع.
في ليلة باردة، داخل صيدليته الصغيرة، قرر “فيكتور” أن يغامر. لم يحمل سلاحا، فالسلاح هنا لا يغيّر شيئا، بل يضيف جثة إلى الإحصاء. حمل علمه. جلس ليالي طويلة، بين القوارير، والروائح النفّاذة، والكتب المتهالكة. صنع تركيبة دوائية، اشتغل عليها بصمت، اختبرها على مراحل، راقب النتائج بعين العالم وقلب الإنسان. لم يكن دواء معجزيا، لكنه كان بابا. بابا صغيرا للخلاص.
بدأ المدمنون يتعافون. يعودون ببطء إلى أنفسهم، كما يعود الغريق إلى سطح الماء وهو يلهث. ينامون دون هلوسة. يأكلون دون ارتعاش. يمشون دون قيود السم الأبيض. كانت الأجساد تستعيد إيقاعها، والعقول تخرج من الرماد. وكان “فيكتور” يرى ذلك، فيبتسم ابتسامة خجولة، لأنه يعرف أن الفرح في هذه القرية يجب أن يكون حذرا.
توقّفت الأيدي عن طلب السم الأبيض. بارت التجارة. جفّت الأتاوات والرشاوى. وهنا، تحرّك الخوف. فحين يتوقف المال، يبدأ الذعر، وحين يهتز المنصب، يستيقظ الوحش. علم القائد السادي “إزيس” بما يحدث، فلم يسأل عن صحة الناس، بل عن المال الذي انقطع. لم يفكر في الشباب الذين استعادوا عقولهم، بل في سلطته التي تهتز. وكما يفعل كل من لا يملك شجاعة المواجهة، قرر الانتقام من الخلف.
في ليلة سوداء، احترقت الصيدلية. اشتعلت كما تشتعل الحقيقة حين تقترب من الظالم. لهبٌ يلتهم الزجاج، ويحوّل العلم إلى رماد. وقف “فيكتور” أمام الخراب، ولم يبكِ. كان يعرف. يعرف أن الشكايات ستُدفن تحت بند “حُفظت”، وأن العدالة هنا تمشي بعين واحدة، وتغمض الأخرى حين يكون الظالم قويا. كان يعلم أن الظلم، حين يتقن التخفي، يظن نفسه قوة، لكنه في الحقيقة هروب طويل من الحساب.
رفع “فيكتور” رأسه إلى السماء. لم يصرخ. سلّم. آمن، كما آمن كثير من المنكسرين، أن الظلم عبء على الروح قبل الجسد، وأنه لا يدوم مهما طال. آمن أن الرجولة موقف، وأن الصمت أحيانا ليس جبنا، بل انتظار. وكان يردّد في داخله معنى قديما: الطغاة لا يسقطون حين نلعنهم، بل حين تنتهي صلاحيتهم.
مرّت سبع سنوات. سنوات عجاف. لم يمس القائد السادي “إزيس” سوء ظاهر. ازداد نفوذا، ازداد قسوة، ازداد خواء. وكان ينام كل ليلة بخوف لا يراه أحد، لأن من يظلم، يعيش مطاردًا من داخله. ثم جاء اليوم المحتوم. استيقظت القرية على صوت المروحية. “إزيس” يُنقل على عجل إلى أكبر مستشفى. التحاليل قالت كلمتها بلا شفقة: سرطان دم، لا علاج له. في تلك اللحظة، فهم. بكى دمًا بدل الدموع. أدرك أن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تضيع، وأن كل صفحة سوداء تُكتب، لا تُمحى.
سنوات أخرى قضاها يتجرّع الألم. الحقن لا تنقذه، الأدوية لا تشفيه، والدعوات لا تجد طريقها إلى سماء أُغلقت بوجهه منذ زمن. كان يتشبث بالحياة لا حبًا فيها، بل خوفًا من النهاية. لكن النهاية لا تفاوض. مات القائد السادي “إزيس” وحيدا، ككلب عقور، داخل مرحاض قصره الفخم، ملطخًا بعار جسده، كأن الجسد نفسه لفظ صاحبه.
هكذا انتهت الحكاية. لا بانتصار صاخب، ولا بمحاكمات، بل بعدل صامت. أما “فيكتور”، فظل يمشي في القرية، مكسور الصيدلية، سليم الضمير. كان يعرف أن الرجولة لا تُعلن، بل تُثبت، وأن العدل هو الدواء الأخير لكل ظلم، وأن السماء، مهما صمتت، لا تنسى.










