د.يحيى سنبل يكتب .. جثة في المسجد

قصة قصيرة

كانت التعليمات التي تلقيناها أثناء التدريب كأطباء جدد أن ندقق في وفيات الإناث في سن الإنجاب ، من حوالي ١٨ عاما إلى ٤٩ عاما ، وعند الإبلاغ عن حالة الوفاة لأنثى في هذا السن أن نحرص على معاينة الجثة قبل التصريح بالدفن .
كان المتبع في حال الإبلاغ عن حالة وفاة لمسن أو مسنة ، يأتي العامل الموجود مع الطبيب في الوحدة الصحية ، وهو من الأهل البلد ، ويقول : يا دكتور ، ده رجل عجوز ومريض من سنين. ويشرح للطبيب وضع هذا المتوفى .
كانت بطاقة تحقيق الشخصية في ذلك الوقت ورقية ، والطبيب يضع علامة إكس على البطاقة .
لكن في يوم جاء بلاغ عن حالة وفاة لفتاة في العشرينات من العمر ، غير متزوجة ، قال أهلها إنها متخلفة عقليا ، وأنهم غسلوها وكفنوها ، وأنها في المسجد ليصلي الناس عليها صلاة الجنازة بعد صلاة الظهر .
سيطر الشك على تفكيري ، فتاة في العشرينات تموت ، وتغسل وتكفن بهذه السرعة ، قبل إبلاغ مفتش الصحة ، لا بد أن هناك جريمة حدثت وأنهم يحاولون إخفاءها .
قلت لأهلها : عايز اشوفها .
قال واحد منهم : إزاي يا دكتور ، وهي في المسجد .
قلت لهم : لازم اشوفها .
قالوا : ماشي .
وانطلقت معهم إلى المسجد ، ومعي عم محمد العامل بالوحدة.
والأفكار تهاجم عقلي وتفكيري : قد تكون البنت غلطت ، وقتلها أهلها ، وقد تكون فتاة جميلة وليس كما يقولون . قد تكون ماتت في مشاجرة ، ويريدون التستر على الجاني ، فقد يكون الجاني أبوها أو أخوها .
طوال الطريق إلى المسجد والأفكار لا تتوقف ، وأنا لا أنظر ولا أنتبه لما حوالي ، حتى وصلنا المسجد.
دخلنا المسجد ، كان الوقت قبيل الظهر ، واقتربنا من النعش ، كانت الجثة ملفوفة في الكفن الأبيض ، وكان الوجه مغطى بالكفن ، قال أحد أهلها الذي كان معنا : يا دكتور ، أكشف لك وجهها وانت هتشوف.
قلت له : ماشي .
قام بكشف الوجه ، وجدت وجهها بالفعل عليه علامات التخلف العقلي.
قلت له: خلاص . وأشرت له بيدي .
فقام بتغطية وجهها.
وانصرفنا من المسجد أنا وعم محمد.

شاهد أيضاً

لبنى محمود تكتب.. خاتمة الحوار الوعر

بعيدا عن خاتمة الحوار الوعر وبداية حوار قادملا أعرف ورود كلماته من أشواكها غير مايتوقعه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *