قصة قصيرة
كانت التعليمات التي تلقيناها أثناء التدريب كأطباء جدد أن ندقق في وفيات الإناث في سن الإنجاب ، من حوالي ١٨ عاما إلى ٤٩ عاما ، وعند الإبلاغ عن حالة الوفاة لأنثى في هذا السن أن نحرص على معاينة الجثة قبل التصريح بالدفن .
كان المتبع في حال الإبلاغ عن حالة وفاة لمسن أو مسنة ، يأتي العامل الموجود مع الطبيب في الوحدة الصحية ، وهو من الأهل البلد ، ويقول : يا دكتور ، ده رجل عجوز ومريض من سنين. ويشرح للطبيب وضع هذا المتوفى .
كانت بطاقة تحقيق الشخصية في ذلك الوقت ورقية ، والطبيب يضع علامة إكس على البطاقة .
لكن في يوم جاء بلاغ عن حالة وفاة لفتاة في العشرينات من العمر ، غير متزوجة ، قال أهلها إنها متخلفة عقليا ، وأنهم غسلوها وكفنوها ، وأنها في المسجد ليصلي الناس عليها صلاة الجنازة بعد صلاة الظهر .
سيطر الشك على تفكيري ، فتاة في العشرينات تموت ، وتغسل وتكفن بهذه السرعة ، قبل إبلاغ مفتش الصحة ، لا بد أن هناك جريمة حدثت وأنهم يحاولون إخفاءها .
قلت لأهلها : عايز اشوفها .
قال واحد منهم : إزاي يا دكتور ، وهي في المسجد .
قلت لهم : لازم اشوفها .
قالوا : ماشي .
وانطلقت معهم إلى المسجد ، ومعي عم محمد العامل بالوحدة.
والأفكار تهاجم عقلي وتفكيري : قد تكون البنت غلطت ، وقتلها أهلها ، وقد تكون فتاة جميلة وليس كما يقولون . قد تكون ماتت في مشاجرة ، ويريدون التستر على الجاني ، فقد يكون الجاني أبوها أو أخوها .
طوال الطريق إلى المسجد والأفكار لا تتوقف ، وأنا لا أنظر ولا أنتبه لما حوالي ، حتى وصلنا المسجد.
دخلنا المسجد ، كان الوقت قبيل الظهر ، واقتربنا من النعش ، كانت الجثة ملفوفة في الكفن الأبيض ، وكان الوجه مغطى بالكفن ، قال أحد أهلها الذي كان معنا : يا دكتور ، أكشف لك وجهها وانت هتشوف.
قلت له : ماشي .
قام بكشف الوجه ، وجدت وجهها بالفعل عليه علامات التخلف العقلي.
قلت له: خلاص . وأشرت له بيدي .
فقام بتغطية وجهها.
وانصرفنا من المسجد أنا وعم محمد.










