حضور الهوية العربية في المسرح لم يكن يوماً مسألة شكلية بل كان سؤالاً وجودياً يتعلق بمن نحن وكيف نرى أنفسُنا على الخشبة
المسرح العربي وُلِدَ أساساً من رحم المجتمع، من الحكاية الشعبية، من السيرة، من الحكواتي، من الطقس، من المأساة اليومية
لكن هذا الارتباط بدأ يضعف مع الزمن، حتى صار المسرح في كثير من عروضه يبدو بلا ملامح واضحة
أصبحت الخشبة مكانًا لتجريب مستورد أكثر مما هي مساحة لطرح الذات العربية
كثير من العروض اليوم يمكن نقلها من مسرح عربي إلى أوروبي دون أن يشعر المتلقي باختلاف جوهري .
اللغة فقدت مركزيتها، لا الفصحى حضرت بقوتها، ولا اللهجة استُثمرت بوعي جمالي
صار الكلام مجرد أداة عابرة لا تحمل ذاكرة المكان
الشخصيات في بعض العروض تبدو معلّقة في الفراغ، بلا تاريخ اجتماعي أو ثقافي .
المدينة العربية غابت والشارع العربي غاب والإنسان العربي تلاشى خلف أقنعة عامة
حتى القضايا المصيرية تُطرح أحياناً بصيغة تجريدية باردة .
التراث حين يُستدعى يُستعمل كزينة لا كمنبع فكري
الأزياء الشرقية لا تصنع هوية إذا لم يكن الفكر شرقياً
الأساطير تُقتطع من سياقها وتُقدَّم بلا روحها الأصلية
التأثر بالغرب ليس مشكلة بحد ذاته
المشكلة تكمن في الذوبان الكامل وفقدان الصوت الخاص
كأن المسرح العربي صار يعتذر عن ذاته
صار يخشى المحلية ويعتبرها تخلّفاً
مع أن المحلية هي الطريق الأصدق للعالمية
غياب الهوية انعكس على علاقة الجمهور بالمسرح
الجمهور لم يعد يرى نفسه بوضوح على الخشبة
لم يعد يشعر أن العرض يتحدث عنه أو يشبهه
المسرح حين يفقد جذوره يفقد تأثيره
الخشبة تتحول إلى تمرين تقني لا تجربة إنسانية
المخرج يلهث خلف الشكل وينسى الجوهر
والكاتب يكتب بعين الآخر لا بعين المكان
الهوية ليست شعاراً يُرفع ولا خطاباً مباشراً
هي إحساس خفي يتسرّب من التفاصيل
من الإيقاع، من الصمت ،من الجسد، من اللغة
المسرح العربي بحاجة إلى مصالحة مع ذاته
إلى إعادة اكتشاف أسئلته الأولى
إلى الإصغاء لما هو مهمل ومسكوت عنه
إلى الجرأة في قول ما يخصه دون خوف
الهوية لا تعني العودة إلى الماضي
بل تعني قراءة الحاضر بأدواتنا نحن
أن نرى العالم من موقعنا لا من موقع مستعار !
حين يستعيد المسرح العربي ثقته بنفسه
ستعود الخشبة فضاء للبوح ((لا للتقليد))
وسيتحول العرض إلى فعل مقاومة ثقافية
عندها فقط يمكن للهوية العربية أن تتجسد من جديد .










