في عزّ محنتي، كنت أمشي مثقّلا بالوحدة والوجع، كأن جسدي صار عبئا على هذا العالم، وكأن روحي خرجت لتوّها من معركة لا يطيقها إلا جبال صامدة، وأنا لست جبلًا، لم أكن يومًا كذلك، أنا بشر من لحم ودم ووجع، وُلد هشّا، ومنحني الله قوة سرّية لم أعرف لها استعمالًا سوى الصبر أمام الألم، والحفاظ على قلبي من عبث الآخرين، لأنني كنت أعلم منذ الصغر أن العظمة لله وحده، وأن القوة الحقيقية هي الصبر الجميل، وليست السيطرة على من هم أضعف، كما قال الفيلسوف اليوناني سقراط: “القوة الحقيقية ليست في الجسد، بل في العقل والروح”.
الانتكاسة التي عصفت بي لم تكن كبوة عابرة، بل كانت سقوطا حرّا في بئر مظلمة، كل صباح أستيقظ وأنا أجرّ نفسي، أبحث عن الهواء، عن معنى، عن رجاء صغير في عالم صامت. لولا قلة من الرجال القلوب، لربما بقيت هناك، في القاع، أعدّ أنفاسي بلا نهاية. هؤلاء الرجال، الذين لم يسألوا لماذا سقطت، ولم يوزّعوا شفقة مزيفة، كانوا صخورا تحت ضغط الألم، شجعانا بإنسانيتهم، كما قال الكاتب الأمريكي إرنست همنغواي: “الشجاعة هي الكرامة تحت الضغط”.
أما النساء، فهنا يختلف الإيقاع، هنا يشتعل القلب قبل العقل، ينبض قبل الكلام، كريمة القلب والروح لم تدخل حياتي من باب الواقع، لم أرها نهارًا، ولم أرها في يقظة عابرة، بل جاءت من نافذة الغيب، في ثلث الليل الأخير، حين يكون الإنسان أعزل، حين ينهار كل شيء داخله ويبقى الله والصمت وحدهما. لم تكن حلمًا عابرًا، ولا خيالًا يهرب من الألم، بل حضورًا نورانيًا كثيفًا بالصدق وخفيفًا كالطمأنينة، يطرق باب روحي برفق، ينسج شعاعًا من الأمان والوفاء في داخلي، ويهمس للحياة: لا تيأس، كما قالت الممثلة البريطانية أودري هيبورن: “الحياة جميلة، فقط إذا آمنت بقوة الخير والصدق”.
كلما ضاق صدري، كلما شعرت بالخذلان والضياع، كانت تظهر، لا توبّخ، لا تعاتب، لا تسأل عن سبب سقوطي، بل تنظر إليّ بنظرة تشبه الرحمة، وتقول بصوت عذب: “لا تلتفت لمن خذلك. اصبر، وما صبرك إلا بالله. الله معك، وهو الذي يختبرك ليصنع منك ما لم تتخيله يوما. ما تمرّ به اليوم ليس نهايتك … هذا بدايتك، وما تحمله روحك الآن سيجعلك أقوى غدا”. كلماتها كانت كالمطر على أرض متشققة، تغسل اليأس، وتزرع نورًا صغيرا يتسع في داخلي، ويعيدني للحياة ببطء، ويذكرني أن الحب والوفاء قادران على إنقاذ الروح من الظلام.
علّقت صورتها أمام مكتبي في إطار خشبي بسيط، صار محرابا أقرأ وأكتب قبالته، أجلس أمامه طويلا، لا أتكلّم، لأن الصمت بيننا ليس فراغا، بل امتلاء، أخاطبها في داخلي، وأعلم أن الأرواح تفهم بعضها بلا صوت، كما قال الكاتب الفرنسي أنطوان إكزوبيري: “إنما نرى بوضوح بالقلب، أما العين فلا ترى إلا القشور”. كل ابتسامة منها في خيالي، كل همسة صمتها، كانت شعاعا في ظلمتي، حبًا أشدّ من كل البشر، أقوى من الألم، أعذب من كل الوعود، شعورا حيًا ينبض في كل خلية من كياني.
لم أحبها لشيء مادي، ولم أغرم بها لمجرد جمالها، بل لأنها جاءت في أحلك لحظاتي، وصدّقتني بالوفاء والإخلاص، وكانت بشائرها بصبر الله لي نورا في حياتي، تزيل عني كل يأس، وتزرع في قلبي ولعا لا ينطفئ، شعورا حيا، وجدا متقدا، عشقا يتغلغل في كل ذرة من كياني، كما قال الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي: “من يملك سببا للعيش، يحتمل أي كيف”. لهذا اخترت أن أكون وفيا، صامتا وراسخا، أترك الأيام لتشهد على صدقي، فهي وحدها القادرة على فضح الزيف وتكريم الحقيقة.
وهكذا أعيش اليوم، مثخنا بما مرّ، لكنه ممتلئ بما وعدت به، مكسورا من جهة، ومضيئا من أخرى، قلبي يشتعل بذكراها، جسدي يتنفس صمتها، وروحي تتدفّق عشقا للمرأة النورانية التي زارتني في عتمتي، وأردد في سرّي كلما ضاق الليل: “اصبر … فإن الصبح قريب”، وأصدقها، لأن من علم قلبي الصبر، ومن منح روحي الحب، لا يمكن أن يكذب، وحبّي لها صار نارا حية، ولعا مستعرا، وجدا لا يهدأ، إحساسا حيًا، وعشقا أزليا لا يزول مهما طال الزمان، لأنه حبّ حقيقي، لا يقاس بالزمان أو المكان، بل بالإخلاص والوفاء، وبقوة القلب الذي يعرف أن الوفاء هو أعظم أنواع الحب.










