كان نهارا صيفياً عراقياً بامتياز ، ثقيل الضوء ،بطيء الظل ،حين حشرونا رغم انوفنا في باصات تشق طريقها نحو ساحة الاحتفالات في بغداد ،لماذا وماالمناسبة؟؟؟ ، لم نكن نعلم ،هكذا فجأة نزل الأمر على عمداء الجامعات ،(جيبوا كل طلاب الكليات لساحة الاحتفالات الريس راح يجي هناك)
انزلتنا الباصات ورحنا انا وزميلتي المنغلقة على ذاتها تديناً اكثر من انغلاقي على نفسي فطريا أو ربما ألماً وتيها نغوص في بحر متلاطم من الوجوه في ساحة الاحتفالات الواسعة والتي اضحت كخرم أبرة من شدة الزحام .
قضينا هنالك عدة ساعات ،نسأل لِمَ اتوا بنا؟ مادورنا هنا؟وين الريس الله يحفظه ويرعاه ؟
لاجواب ،لا أحد من طلاب الجامعات المحشورين في تلك الساحة كيوم الحشر العظيم يحمل جوابا لسؤالنا
ربما كان هنالك رئيس عربي حضر وريسنا الله يحفظه كان هناك معه على المنصة ،او ربما كان الأمر اعظم من ذلك أو اتفه من ذلك ،على أية حال انقضى النهار وراح برد ساعة العصر يهطل رويدا رويدا على الوجوه الشاحبة من الجوع والعطش .
عندها طبق طلاب الجامعات مبدأ (أنت وربك ياموسى) وراح يتسلل بعضهم خفية من أي زاوية او باب للخروج هربا من حشر لم نعرف له سبب.
وفعلنا انا وزميلتي مثل مافعلوا
انسحبنا خلسة باتجاه أحد ابواب الساحة والأكتاف تخبط بعضها ببعض مع كومة من الهاربين امثالنا كالصراصير نتزاحم للخروج من عنق زجاجة .
وصلنا اخيرا لجنة عدن ، الشارع ،رفعت جفني بكحلهما الأسود ،الزينة الوحيدة التي كنت اضعها على وجهي أيام الجامعة وشعري المعقوص كذيل حصان ،فوجدته يقف قبالتي ، قفز قلبي وكاد ينط خارج الضلوع .
روحي تحدثني ،آه كم اشتقت لرؤيته.
كان يقف بقوامه الممشوق قرب الباص الخاص بطلاب كليته ، نظر إلي بعينيه العسليتين ،وابتسم لي ،قرأت حينها في ابتسامة ثغره وبريق عينيه نداء خفي ،لم ينطق به يوما .
لكن قلبي كان يسمع همسه،ابتسامته كانت تقول لي ،اقتربي ،أنا هنا ،القي التحية على الأقل أو بادليني بابتسامة تمنحني شجاعة التقدم نحوك خطوة ،خطوة واحدة ،اشارة خضراء تمنحني السلام كي اقترب منك .
حينها كان قلبي يذوب شوقا للوقوف قربه ولو للحظة واحدة ،أو احدثه عن المأزق الذي كنا فيه انا وزميلتي،فلاباصات هنالك لتقلنا وعلينا السير على الأقدام لمسافات طويلة ،والشمس تكاد تنام في مخدعها لتتركنا تحت ليل بهيم تائهات لانعرف طريق العودة .
كان لدي ألف سبب لأبتسم له ،لأقف واتحدث معه ،لأصعد الباص نفسه ،لنبدأ قصتنا معا ،فهو لم يكن غريبا التقيه صدفة، بل قريبا ولطالما جمعتنا صدف كهذه ،ولطالما كنا حمقى واضعناها عنادا او تكبرا او خجلا.
ولكني رغم الألف سبب الذي وهبتني اياه السماء ،قابلت ابتسامته المتلهفة تلك بوجه بارد منغلق لايعكس حرارة النار المشتعلة في قلبي،والقيت عليه تحية باردة صامتة بانحناءة من رأسي كما يفعل البريطانيون حين يرفعون قبعاتهم ويحيون الناس بانحناءة لطيفة برؤوسهم.
ثم ادرت ظهري له ورحت اسير كتفي بكتف زميلتي تطحن اقدامنا الشارع دون ان نعلم الى اين نتجه.
كنت امشي بصدر فارغ ،فقد تركت قلبي هناك ،عنده،عند ابتسامة عينيه وثغره ،وفي عيني دمعات مختنقة تأبى الهطول ونفس تأبى اقتناص الفرص ،ربما خجلا أو كرامة أو احساس غبي بانني اميرة ومن يريد قربي عليه أن يحارب باقدام واصرار ،لم اكن اعلم أن كل ما أراده مني كانت اشارة ضوء أخضر ليطمئن قلبه بأنه مرحب به وغير مرفوض.
وهكذا وضعنا جدارا بيننا راح يزداد علوا كلما مرت السنوات وتوالت الصدف واللقاءات العابرة حتى غدونا مثل رصيفين متوازيين لايلتقيان ولايفترقان.
انهينا قصتنا قبل أن تبدأ
وافترقنا وراح كل منا في طريق .










