قصة قصيرة
كنا صبية نحب مشاهدة التليفزيون ، في وقت كانت أجهزة التليفزيون غير موجودة في كثير من البيوت ، لم يكن أمامنا سوى الذهاب إلى مقهى أبو كمونة لمشاهدة التلفزيون ، كنا ننظر إلى الأرض وندخل المقهى على استحياء ، ونجلس مع الناس الذين يلعبون الكوتشينه والطاولة ، والذين يدخنون الشيشة ، وهم رجال .
كنا صبية ليس معنا شيء ، لا نطلب شايا أو حلبة ، أو أي شيء ، وكان صاحب المقهى أبو كمونة رجلا ممتلئا ، أسمر اللون ، أصلع الرأس ، ينظر إلى الأرض بصفة دائمة ، ولا يرفع رأسه فيرمق أحدا من الجالسين في المقهى ، كان لا يطردنا ، ولا ينهرنا ، ولا ينظر إلينا ليحرجنا ، مهما طال بقاؤنا في المقهى .
وكان ذلك ليس شيئاً معتادا بالنسبة لنا ، كنا نلعب الكرة في الشارع ، فتخرج أم فاضل فتكب الماء وتنهرنا ، وتقول لنا بغضب : كل واحد يلعب عن داره يا ولاد كذا وكذا . فنأخذ الكرة وننصرف بهدوء .
كنت أعجب ، أبو كمونة لا يطردنا من المقهى التي هو ربها ، وأم فاضل تطردنا من الشارع الذي ليس ملكها ، ولا ملك أبيها .
كنت ألاحظ زبائن المقهى ، وهم يلعبون الكوتشينه والطاولة بخفة ومهارة ، وكنت أراقب أبو كمونة وهو يرص الأكواب ويصب فيها الشاي ، وينتقل من كوب لآخر دون أن يتوقف عن الصب .
كانت تعليقات زبائن المقهى الجريئة نصيبنا بالخجل ، فقد كنا أطفالا أبرياء ، وهم رجال كبار وشبان . لكن بصفة عامة فإن مشاهدة التليفزيون في المقهى أكثر متعة من مشاهدته في البيت ، حيث التعليقات الساخنة ، والقفشات ، والضحكات التي تتعالى فتنعش القلب .
كانت التعليقات أكثر إمتاعا من مشاهدة التليفزيون نفسه.
وفي يوم كنا نشاهد مسلسلا ، وفي أحد المشاهد شاب جامعي قروي ، إنتقل من الريف للمدينة للدراسة ، أعتقد أن الذي كان يقوم بالدور هو الفنان فاروق يوسف ، وفي المشهد يعرف نفسه لزميل له ، ويقول : أنا فلان الفلاني ، من دماص ميت غمر دقهلية .
وعندها يصيح جميع الموجودين بالمقهى بأعلى أصواتهم : هيه . حتى كادت أصواتهم ترج جدران المقهى رجا ، لأن إسم قريتنا دماص ذكر في التليفزيون ، وفي مسلسل يشاهده الملايين .










