العَشَم ليس عيبًا، لكنه قد يتحوّل إلى كسرٍ صامت للنفس حين نُسيء استخدامه، أو نمنحه لمن لا يعرف قيمته. نحن بطبعنا نُحِب بصدق، ونساند بإخلاص، ونقف جوار من نحب دون أن ننتظر طلبًا أو مقابلًا، لأن هذا ما تربّينا عليه، وهذا ما يشبهنا. لكن المشكلة تبدأ حين ننتظر من الآخرين أن يكونوا نسخةً منا.
ننتظر منهم أن يسندونا كما أسندناهم، أن يحبّونا كما أحببناهم، أن يقفوا معنا وقت الضيق لأننا لم نتأخر يومًا عنهم. نُحمّلهم فوق طاقتهم، لا لأنهم وعدوا، بل لأننا “عَشِمنا”. وهنا تأتي الصدمة…
نكتشف أن الأولويات مختلفة، وأن المصالح في هذا الزمن غالبًا ما تسبق المشاعر، وأن كثيرين يُجيدون الأخذ أكثر مما يُجيدون العطاء.
ليس من العدل أن نتعامل مع الناس بأسلوبنا نحن، ولا بتربيتنا، ولا بنقائنا الداخلي، ثم نغضب لأنهم خذلونا. العدل الحقيقي أن نُدرك أن كل إنسان يُعطي على قدر قلبه، لا على قدر قلوبنا. وأن ما نراه بديهيًا قد لا يكون كذلك عند غيرنا.
في زمنٍ صعب، تتوالى فيه الخيبات، وتتكشّف فيه النفوس عند المواقف، يصبح العَشَم الزائد عبئًا، وكأنه فخٌّ نصبه لأنفسنا بأيدينا. ننتظر، ثم نُصدم، ثم نتألّم، لا لأنهم تغيّروا، بل لأننا لم نرهم كما هم منذ البداية.
لذلك، ربما حان الوقت أن نتوقّف عن العَشَم في الناس. أن نكفّ عن انتظار الدعم ممن لم يَعِد، وعن تقديم المساندة دون أن يُطلب منّا، ليس قسوةً، بل حفاظًا على أنفسنا. أن نُحسِن، نعم، لكن بوعي. أن نُساعد، لكن بحدود. وأن نُحب، دون أن نربط حبّنا بتوقّعات قد لا تتحقّق.
العَشَم حين يزيد، لا يُكرم القلب… بل يكسره.
وحماية النفس ليست أنانية، بل ضرورة في زمنٍ لا يرحم الطيّبين.










