تنطلق إشكالية النقد المسرحي من التحولات العميقة التي عرفها الأداء المسرحي المعاصر على مستوى البنية الأدائية وأنماط التلقي، وما أفضت إليه من إعادة تعريف لعلاقة النص بالعرض، وللموقع الذي يشغله المتفرج في إنتاج الدلالة. ففي ظل بروز أشكال مسرحية تفاعلية وغامرة، لم يعد العمل المسرحي يُقدَّم بوصفه بنية مكتملة المعنى قابلة للوصف أو التقييم اللاحق، بل حدثًا أدائيًا علائقيًا يتكوّن معناه في الزمن الحي لتجربة المتفرج، داخل شبكة ديناميكية تجمع بين الجسد، والفضاء، والأداء،
في هذا الأفق، بدا أن سؤالا مركزيًا يفرض نفسه حول حدود الممارسة النقدية ووظيفتها: هل لا يزال الناقد قادرًا على الاكتفاء بدوره التقليدي بوصفه خطابًا لاحقًا وتقويميًا يقتصر على وصف البنية الشكلية وإصدار الأحكام الجمالية، أم أن التحولات الجمالية والمعرفية التي يشهدها المسرح المعاصر تفرض عليه إعادة النظر في هذا الدور، بما يستدعي انتقاله إلى ممارسة تحليلية تشاركية تنخرط في تفكيك آليات الإدراك والتفاعل التي تتشكل من خلالها الدلالة في لحظة التلقي؟وتتعمق هذه الإشكالية في مساءلة قدرة النقد على تعويض زوالية العرض بوصفه حدثًا زمنيًا عابرًا، عبر تحوله إلى خطاب تأويلي موازٍ يسهم في تمديد زمن العرض الرمزي، وإعادة إدماجه في الذاكرة الثقافية، وتحويله من تجربة لحظية إلى ممارسة فكرية قابلة للتداول. ومن هذا المنظور، يُعاد النظر في موقع النقد داخل العملية المسرحية ذاتها، لا بوصفه خطابًا تابعًا للعمل الإبداعي، بل باعتباره فعلًا معرفيًا منتجًا للدلالة، يعيد توزيع السلطة الدلالية بين النص، والأداء، والمتلقي.
لا يمكن تصور الفعل المسرحي كحدث مكتمل بذاته، أو قائم بمعزل عن دور النقد. فالمسرح، في جوهره، لا يقوم فقط على وجود النص أو الأداء، ولا حتى على تحقق الفرجة بمعناها المباشر، بل يتأسس داخل شبكة علائقية معقدة تتقاطع فيها عناصر الإنتاج والتلقي والتأويل. ومن هذا المنظور، يغدو النقد شرطًا من شروط تشكّل المعنى، لا لاحقًا زمنيًا للعرض ولا تابعًا له. إذ من دونه لا يتأسس الحوار، ومن دون الحوار لا يُستعاد الحدث داخل الوعي الثقافي بوصفه تجربة فكرية وجمالية قابلة للتداول. وبذلك، لا يعود المسرح مجرد واقعة زمنية منتهية، بل يتحول إلى خطاب مفتوح على التأويل والمساءلة، يتجدد بتجدد القراءات التي تُنتج حوله.










