ليس غريبًا أن تُثير توصية لجنة تحكيم مهرجان المسرح العربي، الداعية إلى ترجمة العروض الناطقة باللهجات المحلية إلى العربية الفصحى، عاصفةً من التساؤلات الجوهرية؛ فالمفارقة هنا تمسّ جوهر فكرة المهرجان ومراميه.
فكيف لمهرجان يحمل صفة (العربي) أن يحتاج إلى ترجمة داخل حمولته اللغوية نفسها…؟
وكيف للغة يُفترض أنها جامعة أن تتحوّل إلى عائق في فضاء يفترض به أن يكون مشتركًا…؟
إنها إشكالية تستحق الوقوف عندها، لا بوصفها تفصيلاً إجرائيًا، وانما باعتبارها مظهرًا لصراع ثقافي عميق يتجاوز خشبة المسرح، ليطال أسئلة الهوية والتواصل والخصوصية داخل الفضاء العربي العام.
لقد ظلّت اللغة العربية الفصحى، بما تحمله من قدسية تاريخية ووظيفة وحدوية، لقرون طويلة وعاءً للتراث وناطقًا باسم الهوية الجامعة.
غير أن المسرح، بحكم طبيعته بوصفه فنًا حيًّا، ينهل من الواقع المعاش، ويميل في كثير من تجاربه إلى لغة الشارع، وإلى اللهجة التي تتنفس بها الشخصيات وتُفصح من خلالها عن عواطفها اليومية وهواجسها القريبة.
وإن بعض المسارح العربية لم تتعامل مع اللهجة المحلية بوصفها مجرد وسيط لغوي، بل جعلت منها أداة جمالية واعية، تحمل رؤية فنية وفلسفية للعالم، وتُنتج دلالاتها من عمق البيئة الاجتماعية التي تنتمي إليها.
ومن هنا تتوالد الأسئلة وتتشابك، وأبرزها:
أين تكمن عروبة المسرح…؟
أفي لسانه الناطق بالفصحى وحدها، أم في مضامينه ورؤاه التي تعبّر عن هموم إنسانية مشتركة، وإن تعدّدت ألسنتها…؟
وإذا كان الجمهور العربي في مهرجان عربي يحتاج إلى ترجمة لفهم عروض شقيقة، فهل يعني ذلك خللًا في عملية التلقي، أم قصورًا في تصورنا لوحدة الفضاء الثقافي العربي…؟
ثم تتعمّق الإشكالية أكثر:
هل تمثّل الترجمة اعترافًا بالقطيعة، أم إقرارًا مشروعًا بالتنوّع…؟
وكيف تظهر الحاجة إليها في ملتقى يُفترض أنه جامع للألسنة، لا مُفكّك لها…؟
وعند هذه النقطة، يبرز سؤال جوهري عن دور المهرجانات العربية ذاتها:
هل هي فضاءات للتعارف على تنوّعنا اللغوي والثقافي، أم منصّات لفرض لغة واحدة بوصفها معيارًا وحيدًا للشرعية الفنية..؟
وإذا مضينا أبعد في مساءلة المشهد، نصل إلى سؤال بالغ الحساسية يتعلّق بآليات التقييم:
فكيف تمكّنت لجان التحكيم، المؤلّفة من محكّمين عرب، من فهم هذه العروض…؟
هل بالخبرة والمعرفة المسبقة باللهجات…؟
أم بالاعتماد على ترجمات غير رسمية…؟
أم أن الأمر بقي في منطقة رمادية تُكرّس إشكالية التواصل، وتُضعف الوصول إلى تقييم دقيق ومنصف…؟
في المقابل، يبدو واضحًا أن إصرار بعض الفنانين العرب على تقديم عروضهم بلهجاتهم المحلية لم يكن تعبيرًا عن نزعة انغلاقية أو تجاهلًا للجمهور العربي، بل خيارًا فنيًا واعيًا، نابعًا من قناعة جمالية بأن اللهجة هي الوعاء الأصدق للتعبير عن واقع الشخصيات وخصوصية بيئاتها.
فالمسرح الجاد ليس نزوة استعراضية، بل بحث مستمر عن الأصالة.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأخلاقي والفني معلّقًا:
أين تبدأ وتنتهي مسؤولية الفنان تجاه المتلقي في فضاء عربي مشترك…؟
وهل تقديم عرض بلغة غير مفهومة لشرائح واسعة من الجمهور يُعدّ استعلاءً ثقافيًا مضمرًا، أم ممارسة مشروعة لحق الاختلاف والتعبير بلسان الحال…؟
وهنا يفرض سؤال آخر نفسه:
هل أصبحت العربية الفصحى عائقًا أمام بعض التجارب المسرحية المعاصرة…؟
الإجابة ليست سهلة فالفصحى قد تبدو أحيانًا بعيدة عن نبض الحياة اليومية، مما يجعلها أقل ملاءمة لمسرح يسعى إلى أن يكون مرآةً لواقع محدد لكنها، في الوقت نفسه، تظل الجسر الأوسع الذي يربط أطراف العالم العربي المتباعدة لهجيًا.
لعل الحكمة تكمن في البحث عن صيغ توفيقية، كاعتماد فصحى مُيسّرة، أو تقديم العروض باللهجات مع توفير آليات تواصل فعّالة، كالترجمة المصاحبة ومن هذه الزاوية، تبدو توصية المهرجان، رغم ما تنطوي عليه من مفارقة، اعترافًا صريحًا بفشل الصيغة الراهنة للتواصل.
إن المفارقة التي كشف عنها بيان المهرجان ليست مأزقًا لغويًا فحسب، بل دعوة مفتوحة إلى مراجعة عميقة فلا يمكن اختزال العروبة في لسان واحد، كما لا يجوز تجاهل حق الجمهور في الفهم والمطلوب ليس إقصاء اللهجات لصالح الفصحى، ولا تهميش الفصحى لصالح اللهجات، بل بناء وعي جديد يرى في التنوّع اللغوي ثراءً، ويطوّر في الوقت ذاته أدوات عملية لتحقيق تواصل أمثل.
قد تكون الترجمة حلًا تقنيًا مرحليًا، لكن الحل الجوهري يكمن في تعميق الحوار بين الثقافات العربية الفرعية، وتشجيع التجارب المسرحية التي تبحث عن لغة فنية قادرة على الجمع بين الأصالة والعمق من جهة، والقدرة على عبور الحدود اللهجية من جهة أخرى.
وفي نهاية المطاف، يبقى المسرح العربي مدعوًا لأن يكون ساحةً رحبةً للقاء والحوار، لا صدىً أصمّ يتبدّد في ضجيج الألسنة المتكاثرة.










