يقدم الدكتور عبدالله فرج المرزوقي في هذا المؤلف “وثيقة تأصيلية” لمخاض عالم جديد، حيث يرى أن الإعلام لم يعد مجرد صحف تُطبع أو شاشات تنقل الخبر، بل بات “ساحة عالمية مفتوحة” تتشابك فيها الخيوط الرقمية وتتبدل فيها الأدوار بسرعة مذهلة. إن الإضافة الكبيرة لهذا الكتاب تكمن في قدرة المؤلف على صهر مائة وعشرة نقاط تحليلية في إطار منهجي واحد يربط التاريخ بالمستقبل.
أولاً: كسر “هيكل السيطرة” وانبثاق عصر المشاركة
يركز عنوان الكتاب بدقة على مفهوم “السيطرة” التي ميزت الإعلام التقليدي لعقود، حيث كانت المعلومة تُبث من قمة الهرم (المنتج) إلى القاعدة (المتلقي)، مما منح المؤسسات قدرة فائقة على التحكم في محتوى الرسالة وتوقيتها.
- ثورة المشاركة: يوضح الدكتور المرزوقي كيف أن الثورة الرقمية مزقت هذه الخريطة، ليصبح المتلقي “مشاركاً فاعلاً” ومنتجاً للمحتوى، بل وموجهاً لبوصلة النقاش العام.
- تغيير السؤال الجوهري: يؤكد المؤلف أن السؤال لم يعد “ماذا يقدم لنا الإعلام؟” بل أصبح “ماذا نصنع نحن بالإعلام؟”.
ثانياً: تفكيك المفاهيم (من حارس البوابة إلى الخوارزمية)
من أعظم الإضافات المعرفية في الكتاب هو تتبعه لمفهوم “حارس البوابة” (Gatekeeping). في الإعلام التقليدي، كان هناك محررون وقادة يقررون ما يُنشر وما يُحجب.
- الخوارزميات كحارس جديد: يكشف الدكتور المرزوقي في الباب الرابع والتاسع كيف انتقلت هذه السلطة إلى “الخوارزميات” التي تمارس نوعاً جديداً من السيطرة الخفية عبر التخصيص الفردي للمحتوى، مما يخلق ما يسميه “فقاعات المرشحة”.
- الصحفي المواطن: يحلل الكتاب بروز ظاهرة “الصحفي المواطن” الذي كسر احتكار المؤسسات لعملية الرصد والمراقبة، محولاً كل فرد يحمل هاتفاً ذكياً إلى قناة إخبارية قائمة بذاتها.
ثالثاً: مقارنة منهجية بين “الرصانة” و”الآنية”
يخصص الدكتور عبدالله فرج المرزوقي مساحة واسعة للمقارنة بين النموذجين، واضعاً معايير دقيقة لفهم الصراع القائم بينهما:
- المصداقية مقابل السرعة: يرى الكتاب أن الإعلام التقليدي ما زال يتمسك بـ “المصداقية المؤسسية” والتحقق الصارم، بينما تلهث السوشيال ميديا وراء “السرعة والإلحاح الفوري”، وهو ما أدى إلى ظهور نموذج “السرعة تسبق الجودة”.
- الجمهور الجماهيري مقابل المجزأ: يوضح المؤلف كيف انتقل الإعلام من استهداف “الجمهور العريض” الموحد إلى “المجموعات الصغيرة” بناءً على الاهتمامات السلوكية الدقيقة.
رابعاً: سوسيولوجيا الإعلام والتأثير الاجتماعي
لا يتوقف الكتاب عند الجانب التقني، بل يحلل بعمق أثر السوشيال ميديا في الحراك الاجتماعي والسياسي.
- التعبئة السياسية: يناقش الكتاب دور المنصات الرقمية في تنظيم الاحتجاجات وتشكيل “المجتمعات الافتراضية” التي تتجاوز حدود الجغرافيا.
- صناعة الوعي: يحذر الدكتور المرزوقي من “صناعة الوعي الزائف” والبروباغندا الرقمية التي تستخدم “الجيوش الإلكترونية” لتزييف الحقائق وتدمير ثقة الجمهور في المؤسسات.
خامساً: اقتصاديات المحتوى و”عصر الترند”
من النقاط المضيئة في الكتاب تحليله للاقتصاد الجديد، حيث لم تعد القيمة في “الورق أو البث” بل في “البيانات” و**”الانتباه”**. يتحدث المؤلف عن “اقتصاد المؤثرين” وكيف تحولت “اللايكات” إلى عملة تجارية تؤثر في القرارات الشرائية والسياسية على حد سواء.
سادساً: دراسات حالة وعالمية التحول
ما يعزز قيمة هذا الكتاب هو تقديمه لنماذج عملية لنجاح مؤسسات عريقة في التحول الرقمي:
- تجربة نيويورك تايمز: وكيف نجحت في استبدال السيطرة على التوزيع بـ “السيطرة على الجودة” عبر الاشتراكات الرقمية.
- تجربة البي بي سي: وكيف انتقلت من البث الأحادي إلى التوزيع المتعدد لتبرير بقائها كخدمة عامة.
- الإعلام القطري: أفرد المؤلف فصلاً مهماً لتجربة قطر الإعلامية (مثل الجزيرة وكأس العالم 2022)، موضحاً كيف استُخدم الإعلام كقوة ناعمة ووسيلة للدبلوماسية العالمية.
لماذا يعد هذا الكتاب إضافة كبيرة؟
إن كتاب “الإعلام التقليدي والسوشيال ميديا: من السيطرة إلى المشاركة” للدكتور عبدالله فرج المرزوقي، وباحتضان من دار نشر المفكر العربي، يمثل “خارطة طريق” لكل باحث عن الحقيقة في عصر المعلومات المضللة.
تكمن عظمة هذا العمل في أنه يرفض النظرة التبسيطية التي ترى في السوشيال ميديا مجرد “أدوات ترفيه”، بل يعاملها كـ “بيئة تفاعلية يعاد فيها صياغة الواقع”. إنه دعوة للأفراد والمؤسسات لفهم قواعد اللعبة الجديدة، حيث لم تعد القوة لمن يملك “المطبعة” بل لمن يملك “القدرة على المشاركة والتأثير”.
هذا الكتاب ليس مجرد إضافة للمكتبة، بل هو ضرورة معرفية لفهم كيف نعيش، وكيف نتواصل، وكيف نُصاغ في هذا العصر الرقمي المتسارع.










