يرحلون لحظة ندرك أن حضورهم لم يعد مُطلقًا، وأن الصوت الذي كان يحسم الأشياء صار ذكرى تُستدعى عند الحاجة. يرحلون حين نكتشف أننا صرنا نُشبههم أكثر مما كنا نعتقد، وحين نفهم متأخرين لماذا صمتوا في مواقف، ولماذا قسوا أحيانًا، ولماذا تركوا بعض الأسئلة بلا إجابة.
لا يقاس رحيل الآباء بالرحيل، بل بالمسافة التي تنشأ فجأة بيننا وبين الطمأنينة الأولى. حين يصبح علينا أن نختار وحدنا، وأن نتحمّل نتائج قرارات لم يعد أحد يوقّعها معنا. عندها فقط نفهم أن الأبوة ليست وجودًا جسديًا، بل ظلًّا طويلًا يتقدّمنا ثم ينسحب بصمت.
يبقون فينا أكثر مما بقوا معنا. في نبرة الصوت حين نغضب، في طريقة الصمت حين نتألم، وفي تلك اللحظة التي نبحث فيها عن سند فلا نجد إلا أنفسنا، فنكتشف أننا صرنا الآباء.










