في قضية جيفري إبيستين تجلت العولمة في أوضح صورها، فما من بلد إلا أصابه مس من فضائح هذا الملياردير الأمريكي اليهودي، الذي دفعه طغيان المال والنفوذ إلى ممارسات تأباها الفطرة الإنسانية السليمة، وورط معه زعماء سياسيين ورجال أعمال وأثرياء من شتى أنحاء العالم، مستغلا جزيرته الخاصة المغلقة في ارتكاب جرائم شنيعة، من خطف واغتصاب للفتيات القاصرات والأطفال، وغسيل أموال واتجار بالبشر وأكل للحوم الآدميين، وانتهاك للقيم والأخلاق والآداب تحت الأضواء والكاميرات.
وحين فتحت ملفات القضية اتضح أن إبيستين كان عميلا للمخابرات الإسرئيلية، ومرتبطا بعائلة روتشيلد صاحبة النفوذ المالي والسياسي وعرابة المشروع الصهيوني، ومرتبطا أيضا باللوبي الصهيوني في أمريكا، مما مكن له نفوذا عابرا للحدود، وسهل له السيطرة على شبكة هائلة من العلاقات والمصالح، حتى انفجر هذا البركان الإجرامي في وجه الإنسانية جمعاء، وكشف لها أحط ما فيها، عندما تطغيها الثروة وتعميها السلطة، وتأخذها شهوة الرفاهية والملذات والشذوذ إلى مناطق لا حدود لها، ولا مساءلة عليها، ويتحول الإنسان إلى وحش كاسر، ينهش في لحم بني جنسه، بلا وازع من دين ولا رادع من قانون.
تكشفت قضية إيبستين عام 2005، ثم كان الانفجار الأوسع إعلاميا في يوليو 2019، عندما ألقي القبض عليه بتهم الاتجار الجنسي بالقاصرات، ثم أعلن انتحاره داخل زنزانته بالسجن في الشهر التالي مباشرة، وقيل إنه قتل، وفي 2024 رفعت السرية عن القضية، وبدأت ملفاتها تنشر بالوثائق والصور لأهداف عديدة، منها تعرية وابتزاز رؤساء دول وحكومات ورجال أعمال وإعلاميين، ويقال إن إسرائيل استخدمت القضية لتهديد سياسيين ومفكرين ومثقفين وفنانين لمنعهم من اتخاذ مواقف متشددة ضد حرب الإبادة على غزة، وتضغط بها اليوم على ترامب حتى لا يلزمها بأشياء لا تريدها.
والحمد لله أن أحدا لم يسأل عن دين إبيستين وشركائه، أو يتهم دينهم ويلوث سمعته، بالعكس ذهب بعضهم إلى إدانة النظام العلماني المتحرر من ربقة الدين في أمريكا، وحملوه مسئولية الجرائم التي ارتكبت، لأنه أسقط الضمير والأخلاق والوازع الديني، وشطب من قاموسه الحلال والحرام، وأتاح للفرد أن يفعل ما يريد تحت شعار الحرية المطلقة، حتى اكتشفنا أن هذا الفرد ليس حرا، وأنه واقع تحت سيطرة المال والاحتكار والرشاوى والابتزاز.
لكن العلمانيين عندنا لم يتحملوا إدانة العلمانية، فاندفعوا يهاجمون الإسلام من باب المشاغبة والمكايدة، وكتب أحدهم تعليقا يقول: “لا أعرف لماذا يسخر أو يغضب المسلمون من جزيرة إبيستين وهي مجرد نموذج للجنة الأخروية في قرآنهم”، ووجه آخر هجومه إلى السلفية التي يتخذها ستارا لمهاجمة الإسلام، وكتب بالعامية: “أنا موافق أن الصينيين يتهكموا، واليابانيين ينزعجوا جدا من ملفات إبيستين، لكن مش موافق خالص أنك يا سلفي زعلان أوي من إبيستين، بلاش أنت، يا إبني إنحلال الغرب ده حلمك أنت في شريعتك”.
وكتبت سيدة محجبة تسخر مما أسمته إزدواجية المسلمين: “فالجريمة حين تتدثر بعباءة الشريعة تتحول من انتهاك إلى حكم، ومن اغتصاب إلى زواج، ومن قتل إلى حد، ولو أن إبيستين كان شيخا أو مسلما أو حمل توقيعا فقهيا لوجدوا له ألف مخرج وألف فتوى وألف تأويل”.
إلى هذ الحد هان عليهم دينهم، وإلى هذا الحد بلغت حساسيتهم إزاء ما يمس العلمانية الأمريكية، وما أدري ماذا يقولون فيما أقره مئات الكتاب والمفكرين الأمريكيين أنفسهم من تفسخ المجتمع الأمريكي بسبب الانحطاط الأخلاقي وغياب الدين؟ وماذا يقولون في زبجنيو برجينيسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي سابقا الذي حذر في كتابه (خارج السيطرة) من خطر الانهيار الأخلاقي والثقافي الذي يهدد أمريكا، بعد أن وصل الفرد فيها إلى مرحلة الإباحة المطلقة، فاستباح كل شيء، وصار يفعل ما يريد دون أي قيود، والمجتمع يبارك ذلك، حتى شارفت السفينة على الغرق، وإنقاذها منوط بشيء واحد هو العودة إلى الدين والأخلاق.
لقد تطور العالم، وتجاوز مرحلة مشاغبات القرن العشرين بشعاراتها المخادعة ضد الدين، وأدرك من جديد أن المجتمعات الإنسانية في حاجة إلى الإيمان الديني لتحقيق الامتلاء الروحي والسمو الأخلاقي والرقابة الذاتية النابعة من الضمير ومواجهة المادية المفرطة والرأسمالية المتوحشة والفردانية الغارقة في الأنانية، لكن العلمانيين عندنا ـ للأسف ـ مازالوا هناك.










