عُرضت مونودرام ( ضائعة بين العوالم )
في المهرجان الدولي للمونودرام النسائي بولاية وادي سوف بالجزائر في طبعته الرابعة.
حاكى العرض في جزئه الأول مشكلة زواج القاصرات الذي يعد من القضايا الاجتماعية الشائكة التي تنتشر في العالم وخاصة في الدول العربية، وتشكل هذه القضية أزمة مجتمعية تشمل جوانب ثقافية واقتصادية وصحية .. أما في الجزء الثاني من العرض فقد انقلبت الشخصية المقهورة والمضطهدة إلى شخصية ثائرة ومجاهدة ضد الاستعمار البغيض .
الهيكل المنتج للعرض هو جمعية قربة للمسرح والتنشيط الثقافي بتونس ، نص وإخراج عبدالقادر النجار ، تمثيل سارة النجار ، موضوع العرض هو ” مراوحة بين عالمي المرأة الضعيفة والمرأة القوية تترجم في قصتين: الأولى عن( سعاد ) الفتاة القاصر التي تُجبر على الزواج المبكر من ابن عمها الذي يكبرها بعشرين سنة، وبعد سرد الاضطهاد والظلم المسلط عليها ؛ يحصل الانفجار النفسي ؛ وتظهر( سعاد ) امرأة قوية ثائرة، وتتحول الأحداث إلى المناضلة( مسعودة موساوي ) التي تظهر القوة والشجاعة عند المرأة ؛ لنرى الأنثى في حالتين مختلفتين ” . قديما تناول المسرح الكثير من القضايا التي تحاكي حقوق المرأة وحريتها والدفاع عنها؛ مثل ابسن وأرستوفان وسترندبرج ولوركا،
غير أن( اسخيلوس ) هو أول من تناول مشكلة زواج القاصرات في مسرحيته الضارعات ( المستجيرات ) .. ولكن تكمن أهمية عرض ” ضائعة بين العوالم ” في أنه لم يكن مقلدا، بل استعاد وظيفة المسرح كضمير للكل ؛ وضمير للتساؤل الأخلاقي والنفسي ؛ وليس للخطابة السياسية المقيتة، وفضلا عن ذلك حاكى العرض انتهاك حقوق الفتيات القُصر بشكل مرعب ومجحف عبر اجبارهن على الزواج وهن دون السن القانونية، فيجدن أنفسهن وقد اغتصبوا حقوقهن الإنسانية والجسدية بدواعي الستر أو الحاجة للمال ، ناهيك عن أحلامهن الموؤدة وبسماتهن اللاتي غادرن وجوههن لحظة خمود الجسد ، كل ذلك جعل المخرج يلح على إظهار المسكوت عنه والغائر والمضمر نفسيا واجتماعيا.. تحت وطأة أسى وتأوهات شخصية( سعاد ) وجدنا أنفسنا وكأننا ننشاهد حالة دفن معنوية لفتاة تنشد الحياة الكريمة ؛ كل ذلك بفعل زوج في عمر أبيها ؛ زوج جلف جاف كز غليظ؛ وما أكثر هؤلاء . إن شخصية ( سعاد ) الفتاة المقموعة في قفصها النفسي تذكرني بشخصية( يرما ) للوركا في قفصها المنزلي . في جزء من هذا العرض هو ( سيكودراما ) لتحرير المشاعر المكبوتة وتفريغ الشحنات الداخلية، سيكودراما علاجية لبناء الثقة في النفس، وأداة واعية لتحقيق التغيير النفسي ليس للمثلة فقط، بل للمتلقي أيضا . ولا ضير من الإشارة إلى أن النص كُتب – يقينا – تحت هاجس إنتاجه وعرضه باعتبار أن المؤلف هو المخرج؛ وباعتبار أن المخرج هو والد الممثلة.
بعد الجزء الأول من مونودرام( ضائعة بين العوالم ) صار الخلاص متاحا لسعاد ؛ وكأن الخلاص الداخلي ملجأ وحيد للشخصية كما الخلاص الخارجي، فهل عاقبت الشخصية نفسها على ذنوب لم تكن سببا فيها ولم تقترفها ؟ أم هو ( التطهير ) وكسر حاجز الخوف والصمت ؟ .
من ” سعاد ) المضطهدة إلى( مسعودة ) المناضلة انتقال رهيب للعرض وهو يحاكي في شقه الثاني المناضلات ضد الاحتلال الفرنسي اللاتي كن جزءا هاما وأساسيا في حركة الجهاد ، وإبراز ما قدمنه من نضال وتضحية.
من البديهي في المونودراما أن أغلبها هو إعادة للماضي، ولكن ؛ وفق ماذا هي إعادة للماضي؟ إنها وفق الحاضر والمستقبل ، ووفق تعالق نصين أو أكثر ، وهذه دائما يؤكدها الناقد ( جيرار جينيت ) ، لذلك تفاجأ البعض بعنصر القطع والانتقال مباشرة إلى الجزء الثاني من العرض، مصحوبا بتنوع الإيقاع وتصاعد النسق الأدائي في ضبط الرتم والشهيق إيذانا بتجاوز المرحلة الزمنية والنفسية الأولى من الحدث الأول بشكل ينصهر مع تكثيف الحدث الثاني مع إلغاء التفاصيل غير الضرورية.. ونتيجة لفعل القطع غير المتوقع بين جزئي العرض نادى بعض المتداخلين في الندوة التي أعقبت العرض – وفي خارجها – بضرورة إيجاد رابط أو ترابط بين جزئي العرض، ولكن الرأي عندي أنه ليس من الضروري أن يتطابق جريان وتتابع الأحداث في مسرح المونودراما مع الترتيب الواقعي والطبيعي لأحداثها وهذا من وجهة نظر البنائية والشكلانية أيضا ؛ وبإمكانكم مراجعة الروسي توماشفسكي حول المتن الحكائي والمبنى الحكائي في أسلوب الترتيب الفني وطريقة سياق الأحداث الناتجة عن الحبكة الأولى أو الهيكل البنائي، لذلك يجب الأخذ بالحسبان الفرق بين الواقع الحسي والمتخيل الفني؛ وبين التحفيز الجمالي والتحفيز الواقعي .. وتتأكد وجهة نظري على أن الحدث الدرامي المفاجىء وغير المتوقع في مونودرام( ضائعة بين العوالم ) ذكره أرسطو في كتابه الشهير( فن الشعر ) بكلمة( التحّول ) أو ( الإنقلاب ) وهو انقلاب الحدث إلى نقيضه وانتقال الشخصية من حالة إلى حالة أخرى معاكسة ومغايرة ، ويهدف الإنقلاب إلى إحداث صدمة ودهشة، وليس من الضروري انتقال الحالة أو الحدث أن يكون أمام المتلقي ، بل من الضروري أن نعي أننا نشاهد عرضا مونودراميا لا يتجاوز الأربعين دقيقة وليس فيلما هنديا.
خلاصة القول: سارة النجار ممثلة مسرحية واعية وحقيقية راهن عليها عبدالقادر النجار وكسب الرهان ، فقد أتقنت سارة دورها وعاشته بصدق فني مع كل حركة؛ فكان إحساسها يوصلنا بأنها محترفة في التمثيل مع أنها فتاة صغيرة لكنها كانت كبيرة جدا في تقمصها، وسيشهد المستقبل لسارة حضورها ممثلة مضيئة في فضاء المسرح التونسي والعربي ..
سارة ؛ كل سرورها أن توصل ألقها وعبيرها للمتلقي ؛ وقد وصل .
فازت مسرحية ” ضائعة بين العوالم ” بجائزة أفضل عرض متكامل ( المرتبة الثانية، القناع الفضي )











