هناك حالة عشق مصري دائم لاينقطع ولا ينفصل عن الوحي.. المصري يعيش دائما في ظلال الوحي وبالوحي ومع الوحي.. وتتجلى عبقريته في الابداع بكل طريقة ليستمر عطاؤه مع القران مبهرا للعالمين وكل من يسعى الى طريق النور الصافي الشافي..
يذكر التاريخ ويسجل في صحائفه النادرة ما قام به المصريون من الجمع الصوتي للقران الكريم ليكمل الصورة التي بدأها صحابة رسول الله رضوان الله عليهم حين قدموا الجمع الأول والمحكم للقران الكريم وتجلى في اعتماد المصحف الامام ..مصحف عثمان بن عفان..المرجع الأول والأخير المحكم لايات التنزيل على مر السنين وتعاقب الليل والنهار..
المصريون ابهروا العالم أجمع بنسخ عبقرية فريدة في التلاوات القرانية زلزلت القلوب ولفتت العقول الى الاعجاز القراني المنزل من رب العالمين..وقد ملاؤوا الفضاء الكوني والارضي بنماذج رائعة لختمات قرانية بالأحرف السبع والعشر التي نزل بها الذكر الحكيم فكانت اجمل هدية مصرية لكل مسلم ومؤمن ومحب للقران الكريم حتى بين من يعيشون على هوامش الايمان من المسلمين وغيرهم من اهل الديانات الأخرى ممن ترق قلوبهم لسماع ايات الله وكلماته..
على الجانب الاخر وهو كتابة الوحي لا تزال الساحة المصرية عامرة ومشتعلة بعشاق كتابة المصحف الشريف والعناية به خطاطون على مستوى عال من المهارة والفنية والابداع متطوعون او مجندون في خدمة كتاب الله وتقديمه للبشرية يحققون قفزات رائعة ويحصدون جوائز عالمية في فنون الخط العربي وكتابة المصحف وتذهيبه وزخرفته.. ولا عجب في ذلك فالخط العربي يحمل خصوصية حضارية وإنسانية وتبرز قيمته كحامل للنص المقدس القران الكريم وهو ما منحه مكانة ومنزلة سامية عن الكتابة في أي من حضارات العالم القديم والجديد..
الخطاطون يعيشون حالة من التحدي مع التقدم التكنولوجي الهائل خاصة في خطوط الحاسوب والانواع الرقمية من الخط ..ورغم ما يقال او يشاع عن ان الكومبيوترات قتلت مواهب نسبة كبيرة من الخطاطين بعد لجوء البعض الى السهولة التي توفرها الالات الحديثة في الكتابة والطباعة..الا ان ما يحدث على الساحة من ظهور عباقرة في الخط العربي وكتبة المصاحف باحجام مختلفة ومبهرة يعتبر من المبشرات ورسالة للجميع بان الخط العربي مهنة وحرفة لن تموت بفضل القران الكريم..ويؤكد أيضا ان الانجازات العلمية والتقدم التقني لا يمكن ان تقضي على فن راسخ واصيل مثل الخط العربي..
الواقع يؤكد ان خط الخطاط لايزال هو العمدة في مواجهة تكنولوجيا الطباعة خاصة عند محبي الجمال والساعين اليه في مختلف فون الاتصال الجماهيري وغيره..كل التجارب والمحاولات للتمرد على الخط تؤكد انه
يبقى لخط اليد بجميع أنواعه سحر لافت وروح لا يمكن ان نجدها في خطوط الكمبيوتر مهما بلغت دقّتها وجمالها خاصة مع الخط الذي كُتب به القرآن الكريم.بل على العكس يرى البعض ان الإنجازات العلمية والمخترعات التكنولوجية الحديثة قد ساهمت في تطويع الخط وتطويره دون أن يفقد هويته كما أنها اختصرت الوقت والمال وساهمت في انتشاره.
أسئلة كثير تطرح على هذا الصعيد حول إمكانية تطويع التكنولوجيا لخدمة الخط العربي ام ان الامر يدخل في اطار المستحيل؟!
لا شك ان التحدي قائم ويلقي بمسئولية اكبر في المقام الأول على المبرمجين العرب والمسلمين وغيرهم لوضع برامج خاصة لدعم الخط العربي..او على صعيد اخر ابتكار طريقة متخصصة لطباعة المصحف ..
بحسب بعض الفنيين والخطاطين فان الامل قائم ..خاصة انه توجد الان خطوط حاسوب متنوعة تحاكي خط اليد بدقة وتعد خطوط مثل Burelom للنمط الخشن و Leah Gaviota للأسلوب العفوي غير الرسمي، و Beatrix Signature للتوقيعات من أفضل الخيارات. تشمل القائمة أيضًا خطوطاً عربية مثل خط لطيف والعربي المكتوب بينما يتيح موقع YourFonts تحويل خط يدك الشخصي إلى خط حاسوبي.
ومن أفضل الخطوط الحاسوبية التي تحاكي خط اليد:
خط لطيف (Latif): يعطي طابعاً عفويًا وقريباً من الكتابة اليومية.
العربي المكتوب: صُمم ليحاكي سرعة الكتابة اليدوية، مثالي للعناوين والهويات البصرية.
تقنية الكمبيوتر يجب أن تكون لدعم تراث الخط ودعوة إلى تعلمه بأسلوب حديث ونشر ثقافة الخط الحسن بغض النظر عن النواحي الفنية.
ويرى البعض ان هناك برامج تمكن من تعديل الحروف وإصلاحها، ليس بمستوى قواعد الخط المتقنة ولكن بطريقة تعد جيدة وذلك حتى يتوافر برنامج فيه كل تسهيلات كتابة الخط وعندما يتم إدخال التمكن من نهايات الحروف على هذه البرامج وتغيير درجة الزاوية خلال كتابة الحروف..
المهم انه في ظل الهوس التكنولوجي لم يستسلم الخطاط اليدوي ولم يرفع الراية البيضاء بل ظل صامدا بل بعضهم اعلن التحدي مثلما فعل احدهم وكتب نسخة رائعة بديعة من المصحف واكد انه لم يستخدم أي وسيلة عصرية او تقنية حديثة في انتاج اكبر مصحف في العالم كتبه في ثلاثين صفحة فقط كل جزء في صفحة كاملة واستغرق ست سنوات كاملة يصل طول المصحف أربعة امتار وعرضه متر واحد ونصف المتر..
التربة المصرية زاخرة بكتبة الوحي حتى الان ومن مختلف الاعمار والتخصصات العلمية يشكلون مدرسة متميزة عالميا..يجمعهم عشقهم للخط العربي والإصرار على كتابة المصحف كاملا في نسخ غاية في الروعة والجمال..
وقد احصيت وصديقي العزيز فنان الخط العالمي صلاح عبد الخالق-وهو احد أبناء الجمهورية المرموقين- قائمة طويلة بالعشرات من كتاب الوحي المعاصرين ممن يعملون في مصر او في مؤسسات إسلامية وعربية ولهم انتاج عالمي مبهر ومساهمات في كتابة نسخ المصاحف الشهيرة في مصر والعالم..
وسوف نتناول تجاربهم بالتفصيل ونتعرف عليهم طوال أيام الشهر الفضيل..والطريف ان بينهم عدد من أبناء جريدتنا الغراء الجمهورية زمن الخطاطين الكبار وعلى راسهم شيخ الخطاطين محمود إبراهيم وكان مختصا بكتابة مانشيت الجمهورية وعناوين الصفحة الأولى فقط..وهو المصرى الوحيد الذى كتب المصحف الشريف بالخط الثلث وحصل على الإجازة فى كتابة الخط العربى من كبير الخطاطين الأتراك بعدما جاوز التسعين من عمره وصار شيخا للخطاطين على مستوى العالم أجمع.
وهناك شباب صغار حصلوا على إجازة من الازهر لكتابة المصحف والمشاركة في اصدار مصحف مصر..سنتعرف على ملامح المدرسة المصرية العريقة سواء في كتابة المصحف او في الخط العربي عموما واشهر تلاميذها سواء في مصر والعالم العربي..وهم كثر..
والله المستعان..
megahedkh@hotmail.com










