الكيانات الموازية هي منظمات أو ميليشيات مسلحة وجماعات غير رسمية تُحاكي هيكل الدولة وتعمل على تقويض مؤسساتها الشرعية. تُعد هذه الكيانات، مثل الجماعات الإرهابية والانفصالية، أداة رئيسية لتدمير الدول، وتتسبب في انهيار المؤسسات، نشر الفوضى، وتفتيت النسيج الاجتماعي، وهو ما حذر منه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في سياق حماية الدولة الوطنية.
أبرز أشكال وتأثيرات الكيانات الموازية:
الميليشيات المسلحة: تحل محل جيش الدولة وشرطتها، وتفرض سيطرتها على مناطق معينة، مما يؤدي إلى انقسام الدولة (مثل النموذج الليبي واليمني).
التنظيمات الإرهابية: تقوم بعمليات مسلحة لإسقاط الدولة الوطنية (مثل ما شهدته مصر بعد 2011).
الجماعات الانفصالية: تسعى لتقسيم الدولة الوطنية بناءً على أيديولوجيات أو مصالح فئوية.
تهديد الاستقرار: تعمل على إنهاك مؤسسات الدولة والجيوش الوطنية، مما يساهم في إحلال الفوضى بدلاً من القانون.
الهدف من الكيانات الموازية:
تهدف هذه الكيانات إلى إضعاف الولاء للدولة الوطنية، وخلق مركز قرار بديل، وهو ما يُعتبر تهديداً وجودياً للأمن القومي. كان تفكيراً عقيماً أن تسمح الدول الوطنية بأحزاب وقوات عسكرية، فالأحزاب السياسية تتنافس على قيادة المجتمع، أو تطمح إلى ذلك، لكن لا يجوز لها أن تتحول إلى ثكنة عسكرية، أو تمتلك السلاح، فقد كان قراراً خطيراً من قِبل الذين سمحوا بذلك، ورأينا نتيجة التجارب في دول؛ منها لبنان واليمن.
تلك الحالة جعلت لبنان محطة للتدخلات الخارجية، وأبرزها الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، منذ السبعينات إلى الآن، غير أن تلك التدخلات قادت الدولة اللبنانية إلى أوضاع هشّة، جعلتها لا تستطيع أن تتوقف عن الركض في دوران التحالفات الخارجية والداخلية، من أجل البحث عن استقرار، لكن دوامة هذه التحالفات كانت أسرع دوراناً من أحلام اللبنانيين.
إنه مرض لا عرض حين يفكر بعض الناس في أي مجتمع بتكوين ميليشيات أو منظمات عسكرية، حتى لو كانت تلك المنظمات تدّعي براءة نياتها، أو تبرر الدفاع عن الدولة والمجتمع، رأينا ذلك طوال الحرب الأهلية اللبنانية، فقد تشكّلت ميليشيات، ومنظمات، وجماعات، وعدّت السلاح شرعياً، ذلك السلاح الذي استخدم طوال خمسة عشر عاماً في حرب ضروس، قتل فيها الإخوة بعضهم بعضاً، وانتهى إلى تكريس وضع شائن تمتلك فيه الأحزاب، والجماعات، أسلحة ثقيلة.
الأدبيات السياسية كثيراً ما تُطلق على الحالة اللبنانية «اللبننة»، استشهاداً بحالة البلقنة التي سادت طويلاً في دول البلقان الأوروبية، والتي كانت تشبه الفسيفساء من الأعراق، والألسنة، والأديان، وكثير من المثقفين والمفكرين حذّروا من لبننة أو صوملة المنطقة العربية بالكامل، وقبل ذلك، كانوا يتمنون أن يعود لبنان رئة للعرب في الفكر والثقافة، كما كان دائماً، لكن المخططين ما زالوا مصممين على اختطاف الحالة اللبنانية، وتحويلها إلى شكل عربي معتاد.
رأينا تناسل وتناسخ هذه الفكرة في أكثر من بلد عربي، العراق مثلاً، بعد الغزو الأميركي 2003، جرت فيه الحالة نفسها، حينما امتلكت الأحزاب السياسية والجماعات والتنظيمات أسلحة خاصة موازية لسلاح الدولة، فسالت الدماء، وتصاعدت الطائفية، والعرقية، ولا تزال الحالة العراقية تبحث عن الاستشفاء، فقد قررت الدولة أخيراً، حصر السلاح بين مؤسسات الدولة وحدها، ولعلها تفلح في ذلك، فالدولة، كما قال الألماني ماكس فيبر، هي الوحيدة التي لها الحق في امتلاك السلاح واستخدامه، وممارسة العنف، إذا استوجب الأمر ذلك.
وإذا ابتعدنا عن العراق لوجدنا أن الحالة السودانية هي النموذج والمثال في هذا الجانب، فقد وقعت أحداث دارفور الدموية منذ عام 2003، وحصدت أرواحاً تُقدّر بأكثر من 300 ألف قتيل، حسب بعض الإحصاءات الدولية، وكانت النتيجة تضخم الميليشيات المسلحة، وفي لحظة معينة صارت تلك الميليشيات جزءاً من الدولة الرسمية، لكنها في لحظة أخرى، كعادة تلك الميليشيات تمردت وحاربت مؤسسات الدولة الرسمية نفسها، المتمثلة في القوات المسلحة السودانية، واعتقدت أنها البديل الجاهز الموازي للدولة السودانية.
ولا شك أن هذا المفهوم يضرب مفهوم الدولة الوطنية في الصميم، فلا نظن أن هناك دولة أوروبية واحدة تسمح في الأساس بتكوين أحزاب أو ميليشيات عسكرية، حتى لو كانت تقوم بدور لصالح هذه الدولة، فالظاهرة دائما ترتد إلى صدور صانعيها، نستطيع أن نضرب عشرات الأمثلة. في اليمن أيضاً كانت هناك ميليشيات دخلت الحرب ضد الدولة الوطنية، في أكثر من ست جولات،
وأخيراً ابتلعت الدولة نفسها، واتخذت من نفسها منبراً يتخذ قرار الحرب والسلام، في الداخل والخارج، والذي يعاني هو الشعب اليمني، الذي وجد نفسه ضحية قصف أميركي-إسرائيلي في لحظات معينة، وحروب بينية بين الشمال والجنوب، ولعل ما يؤكد أن فكرة الميليشيات خطيرة هم ضحايا العشرية السوداء في الجزائر، وكذلك ما جرى في ليبيا من انقسام بين شرق وغرب، وما يجري في سوريا الآن، من محاولات للتطاول على الدولة ومحاولة تفتيتها. إن استقرار خرائط الإقليم يتطلّب نظرة عميقة، تشطب مفهوم وفلسفة فكرة الدول الموازية داخل الدول.
في لحظة بدت فيها مناطق شمال شرق سوريا على شفا مواجهة عسكرية واسعة، إثر تعثر اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) مظلوم عبدي، واستمر لخمس ساعات، جاء إعلان الرئاسة السورية عن التوصل إلى تفاهم مبدئي ليقلب المشهد رأساً على عقب، ويفتح باباً جديداً على تسوية معقّدة ترعاها الولايات المتحدة، وتعيد رسم العلاقة بين الدولة السورية و”قسد” بعد أيام من المعارك والصدامات. فبينما كانت المؤشرات الميدانية تتجه نحو تصعيد كبير، أعلنت الرئاسة السورية، في بيان رسمي، التوصل إلى اتفاق أولي مع “قسد” بشأن مستقبل محافظة الحسكة، يتضمن منح مهلة أربعة أيام للتشاور ووضع آلية تنفيذية لدمج المناطق والمؤسسات ضمن الدولة السورية. وبحسب البيان، تم الاتفاق على عدم دخول القوات السورية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي في المرحلة الراهنة، والاكتفاء بالتمركز على أطرافهما، مع بحث جدول زمني لاحق للدمج الكامل، يشمل المدينة وريفها. كما نصّ الاتفاق على عدم دخول أي قوات عسكرية إلى القرى الكردية، على أن تتولى قوات أمن محلية من أبناء المنطقة حفظ الأمن فيها.
وشمل التفاهم كذلك بنوداً سياسية وأمنية لافتة، من بينها طرح عبدي مرشحاً لمنصب مساعد وزير الدفاع، وآخر لمنصب محافظ الحسكة، إضافة إلى أسماء لتمثيل المنطقة في مجلس الشعب، ودمج عناصر “قسد” ضمن وزارتي الدفاع والداخلية كأفراد، لا ككيان مستقل. كما جرى التأكيد على تنفيذ المرسوم رقم 13 المتعلق بالحقوق الثقافية واللغوية للأكراد، في إطار وحدة الدولة السورية.
” أن الاتفاق، في حال تنفيذه، يعني عملياً حل “قسد” بالكامل، وإنهاء وجودها كتنظيم عسكري مستقل، ودمج العناصر الأمنية والعسكرية ضمن هياكل الدولة كأفراد وليس كفرق عسكرية.
أن الدولة ماضية في بسط سيادتها على كامل الجغرافيا السورية، موضحة أن مؤسسات الدولة ستعود للإشراف المباشر على الحسكة والقامشلي، وأن السجون والمنشآت الحيوية ستوضع تحت سلطة دمشق.
أن الاجتماع الذي عقد بين الشرع وعبدي الاثنين فشل بسبب رفض الأخير تسليم إدارة الحسكة للدولة، وطلبه مهلة للتشاور مع قيادات “قسد” المرتبطة بـ”حزب العمال الكردستاني”، وهو ما قوبل برفض حاسم من الرئيس السوري، الذي أبلغه بضرورة اتخاذ قرار نهائي قبل نهاية اليوم، وإلا فإن الدولة ستتعامل مع الملف باعتباره منتهياً.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










