في بيئة العمل السامة… يغادر المبدعون أولًا ويبقى الحمقى يصنعون أوهام النجاح معًا
- في علم النفس التنظيمي وإدارة الموارد البشرية، لم يعد مفهوم “بيئة العمل السامة” توصيفًا انطباعيًا أو مبالغة خطابية، بل أصبح مفهومًا علميًا مدعومًا بالدراسات الميدانية. ويكفي أن نستحضر ما قدّمه الباحثان Robert I. Sutton في كتابه The No Asshole Rule، أو ما وثّقته الباحثة Amy Edmondson في كتابها The Fearless Organization حول مفهوم “الأمان النفسي” داخل المؤسسات، لندرك أن المناخ السلبي داخل أي مؤسسة لا يقتل فقط الروح المعنوية، بل يقتل الإبداع ذاته.
- لماذا يغادر المبدعون؟
المبدع بطبيعته يبحث عن ثلاثة شروط أساسية:
الاعتراف بقيمته
الحرية في المبادرة والتجريب
عدالة التقييم والترقية
حين تتحول بيئة العمل إلى فضاء تغلب عليه المحسوبية، والخوف، وتضييق المبادرات، وتكريس الولاءات على حساب الكفاءة، يصبح المبدع عنصرًا “مقلقًا” للنظام السائد. لأنه يطرح الأسئلة، ويكشف القصور، ويقترح البدائل.
في البيئات السامة:
يُفسَّر النقد على أنه تمرّد.
تُفهم المبادرة على أنها تهديد.
يُكافأ الصمت أكثر من الإنجاز.
هنا يبدأ النزيف الصامت: المبدعون لا يشتبكون طويلًا مع العبث، بل يغادرون. بعضهم يغادر المؤسسة، وبعضهم يغادر نفسيًا وهو ما يزال حاضرًا جسديًا.
٣- من يبقى؟
حين يغادر أصحاب الكفاءة، لا يبقى الفراغ. بل يُملأ غالبًا بمن:
يتقنون فن التملّق أكثر من فن الأداء.
يفضّلون السلامة على الجودة.
يتبنّون خطابًا احتفاليًا دائمًا يخفي الهشاشة البنيوية.
وهنا تتشكل “حلقة مغلقة” من الرضا الوهمي. كل فرد يمدح الآخر، وكل تقرير يلمّع الواقع، وكل اجتماع ينتهي بالتصفيق، بينما المؤشرات الحقيقية في تراجع.
هذه الظاهرة تُعرف في علم الاجتماع التنظيمي بـ”التفكير الجمعي” (Groupthink)، حيث يُستبدل التفكير النقدي بالإجماع الشكلي، ويُعتبر الاختلاف خطرًا لا قيمة مضافة.
٤- صناعة وهم النجاح
في البيئات السامة، يصبح النجاح خطابًا لا نتيجة.
تُكثَّف الشعارات، وتُضخَّم الإنجازات الجزئية، وتُستعمل لغة احتفالية لإخفاء التدهور الفعلي.
المؤسسة هنا لا تقيس:
جودة المخرجات.
رضا المستفيدين.
الاستدامة طويلة المدى.
بل تقيس:
عدد الصور المنشورة.
حجم التصفيق الداخلي.
درجة الولاء للهرم الإداري.
ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى مسرح مغلق يعيد تمثيل ذاته، دون جمهور حقيقي.
٥- الكلفة الصامتة
خسارة المبدعين ليست خسارة أفراد، بل خسارة:
رأس مال فكري.
ذاكرة مؤسسية نقدية.
طاقة تجديد داخلي.
والأخطر أن المؤسسة لا تشعر بالخطر فورًا، لأن “الاستقرار الزائف” يعطيها انطباعًا بالتماسك. لكن التآكل يحدث ببطء، حتى تصل إلى مرحلة يصعب فيها الإصلاح دون هزة عميقة.
٦-نحو بيئة عمل صحية
بيئة العمل الصحية ليست بيئة بلا صراعات، بل بيئة:
يُسمح فيها بالاختلاف.
تُفصل فيها العلاقة المهنية عن الولاء الشخصي.
يُقاس فيها الأداء بمعايير واضحة وشفافة.
يُحمى فيها النقد البنّاء بدل معاقبته.
إن المؤسسة التي تخاف من صوت المبدع، تحكم على نفسها بالانغلاق.
والمؤسسة التي تحيط نفسها بالمصفقين، تكتب بيان نعيها بيدها.
٧- في بيئة العمل السامة، لا يُطرَد المبدع رسميًا؛ بل يُدفَع إلى الهامش حتى يختار المغادرة. ويبقى من يبرع في صناعة الوهم، إلى أن يصطدم الوهم بالواقع.
فالمبدعون يغادرون أولًا…
لكن الحقيقة تغادر أخيرًا، وعندها فقط تدرك المؤسسة أن التصفيق لم يكن دليل نجاح، بل كان صدى فراغ.










