الخشوع في تلاوة القرآن الكريم
بين جمالية الأداء وعمق الأثر الروحي •
” بعد متابعتي لبرنامج دولة التلاوة “
مقدمة:
- يعد فن التلاوة من أشرف الفنون الصوتية ؛ إذ يرتبط بأقدس
نص عرفته البشرية : كتاب الله تعالى . وقد ظهر عبر التاريخ
أعلام في هذا الفن جمعوا بين جمال الأداء وصدق التأثر ، فكان
صوتهم طريقا إلى القلوب قبل أن يكون طريقا إلى الأسماع •
غير أن الجمال الصوتي ” على أهميته ” يظل وسيلة لا غاية ،
وأداة لا مقصدا في ذاته . والمقصد الأعلى هو الخشوع •
- أولا : مفهوم الخشوع في التلاوة :
- الخشوع في اللغة : السكون والتذلل ، وفي الاصطلاح القرآني
: حضور القلب وانكساره بين يدي الله تعالى •
قال تعالى :” ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله “
سورة: الحديد ، الآية ١٦ .
فالآية جعلت محل الخشوع القلب ، لا. الحنجرة ، وجعلت الذكر سببا للانكسار ، لا مجالا للاستعراض •
ومن هنا يتضح أن الخشوع في التلاوة ليس قضية طبقة صوتية
، ولا مسألة قوة أدائية ، بل هو حالة وجدانية ،تنتقل من القلب
إلى اللفظ ، فتكسو الصوت رقة وإن كان جهوريا ، وتمنحه
وقارا وإن كان منخفضا •
ثانيا : الجهر بالقرآن بين المشروع والمقصود •
- ثبت في السنة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يجهر
أحيانا ويخفض أحيانا ، تحقيقا للتوازن ، وامتثالا لقوله تعالى :
” ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا “ - فالقرآن لا يربط الخشوع بعلو الصوت أو خفضه ، وإنما يربطه
باللاعتدال • والاعتدال هنا هو انسجام الصوت مع المعنى ، وموافقة الأداء لحال الآية • فالآيات التي تفيض رحمة لا يناسبها
صخب يطغى على رقتها ، وآيات الوعيد لا تحتاج صراخا بقدر
ما تحتاج هيبة تستقر في النفس • - ثالثا : التجويد بين الصناعة الروحية والمهارة الصوتية .
- علم التجويد نشأ لحفظ اللفظ ، لا لإبراز المهارة •
وكان أئمة القراءة – كالإمام ابن الجزري – يؤكدون أن تحسين
الصوت بالقرآن مستحب ما لم يخرج التلاوة عن سمة الوقار • - وقد عرف من مدرسة التلاوة المصرية نماذج جمعت بين قوة
الأداء وعمق الخشوع ، مثل : الشيخ مصطفى إسماعيل • الشيخ
عبد الباسط عبد الصمد • الشيخ محمد صديق المنشاوي •
فلم يكن علو الصوت عندهم غاية ، بل كان منضبطا بسياق المعنى ، مشبعا بالسكينة ، محاطا بهالة الوقار •
رابعا : ما أثر الخشوع في المتلقي ؟
- الدراسات النفسية المعاصرة تشير إلى أن. الأصوات المفرطة
في العلو تحدث استجابة عصبية مرتبطة بالتنبيه ، بينما الأصوات
المتوازنة تحدث استجابة مرتبطة بالتأمل • والقرآن خطاب
هداية قبل أن يكون خطاب إثارة ؛ ولذلك فإن أعظم أثر للتلاوة يتحقق حين يستقر الصوت في مسافة آمنة بين الجهر والإزعاج ،
وبين الخفوت والغموض . الخشوع يسمع قبل أن يفهم •
والقارئ الخاشع لا يرفع صوته ليؤثر لأنه خاشع •
خامسا : ما معايير التميز في التلاوة ؟
- يمكن تلخيص معايير التميز في ثلاثة محاور :
١ – سلامة الأداء التجويدي . ٢ – موافقة الصوت للمعنى • ٣ –
تحقق الخشوع الباطني •
فإذا اختل المحور الثالث ، تحولت التلاوة إلى عرض فني ، مهما
بلغت من الصوتي •
خاتمة :
- إن القرآن الكريم كتاب هداية ، لا. ميدان منافسة • وصوت
القارئ جسر بين النص والقلب ، لا منصة لإبراز الذات • وكلما
اقترب الصوت من سكينة المعنى ، اقتربت التلاوة من روحها
الأولى • فالخشوع ليس انخفاضا في الطبقة ، ولا انكسارا في
النبرة ، بل هو خشوع القلب قبل ارتفاع الصوت •
تمنيات الطيبة لكل الفائزين في ( مصر دولة التلاوة ) بالتفوق مع لفت
نظر البعض منهم إلى خفض الصوت قليلا والخشوع أثناء القراءة مثل المتسابق عمر وفقه الله ووفقهم جميعا لما فيه الخير .
- أسأل الله تعالى أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ، ونور
صدورنا ، وأن يرزقنا حسن التلاوة وحسن التلقي ، ظاهرا وباطنا.
” ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب “










