في تاريخنا القديم والحديث مناطق للتميز والتفرد في كل المجالات. ففي العمارة والتشييد والخلود، تطل علينا أعمال أجدادنا الأوائل في المعابد الكبرى والأهرام والمقابر التي تقارع كل عوامل الفناء والاندثار، وفي ترويض النهر الخالد الجامح ليكون عونا قويا على بناء الدولة والاجتماع. وفي حياتنا المعاصرة منذ بدايات القرن العشرين على الأقل حتى ما يقرب من نهايته، قصة التفرد في الإبداع الفني والأداء الجمالي الذي تجلت أماراته في الكلمة، وفي النغم، وفي الأداء. كان سيد درويش طفرة، وكان بعده محمد عبدالوهاب وأم كلثوم. وبالتوازي مع هؤلاء كان عندنا” باقة المبدعين” بتعبير الكاتب الكبير هيثم أبوزيد الذي أدهشنا بكتابه الفريد عن هؤلاء المبدعين في فنون التلاوة المصرية.
ولنا في هذه المقالة، وقفة عند الكتاب،وعند موضوعه. أما الكتاب فهو في تقديري من الكتب الأولى التي نعدها الكتب الأم في كل فن وفي كل علم. والكتاب الأم هو الكتاب الأول مثلما أن الأم هي المصدر الأول الذي لايسبقه مصدر، فهي البدء وهي الملاذ. والكتاب الأم هو الذي نثق فيه، فنطمئن إلى مادته، وإلى مصادره، وإلى رؤيته، ويتيح لكل قاريء جاد أن يستقي منه لينشيء مما استقاه علما جديدا وفكرا سديدا. والكتاب الأم كتاب غير مسبوق. فهو المنارة والنار التي يهتدي بها الهداة. وكتاب” التلاوة المصرية” هو الكتاب الأم في بابه، وفي محرابه. كتبه هيثم أبوزيد كأنه خارج الزمن الذي نحياه الآن. الزمن اللاهث وراء الشهرة والأضواء، والتشييد على الرمال.
ومع أن الكتاب لم يكتبه قلم هيثم مرة واحدة، بل كتبه منجما مفرقا، وتلقاه القراء عبر منصات القراءة على مدى زمني طويل ومتراخ، فإنك حين تتلقاه الآن بين يديك، لايخطر ببالك ولو للحظة عابرة أنه نتاج فترات متقطعة من الكتابة والتأمل والتفكير والوعي بمادته واتصالها ووحدتها. ويحكم هذا الكتاب هذا الحس التاريخي البصير الذي جعل الكتاب سردا تاريخيا من جهة، وعملا تحليليا من جهة أخرى. فالكتابة التاريخية في الأغلب تتسم بالسرد المتتابع الذي يهتدي بزمن وقوع الحدث التاريخي وتطوره أو تراجعه. والكتابة التحليلية تهتدي بموضوع الكتابة الذي تحصره وتحدده وتعيده إلى عناصره الأولية التي كونته، تمهيدا لاكتشاف بنياته الأساسية، ثم تفسير العلاقات القائمة بين هذه البنيات، لتصل في الأخير إلى بناء الدلالة الكلية التي هي الغاية من أي تحليل. والكتابة التحليلية قد تهتدي بالتاريخ لكنها لاتسرده، ولا تنشغل بتتابع أحداثة. وقد آثر الكاتب أن يكون كتابه على هذا النحو العلمي الرصين: ينتهج النهج التحليلي وهو نهج صعب، وأن يهتدي بمنطق التاريخ الذي يكشف عن صعود الظاهرة كما يكشف عن تراجعها.وقد فرض هذا المنهج العلمي على الكاتب أن يتفق هو وقراؤه على لغة واحدة. ولغة المنهح العلمي هي المفاهيم التي يقيم على أساسها الكاتب العلاقة بينه وبين قرائه. والمفاهيم هي تسمية مكونات العمل المدروس وتسمية الإجراءات التي يتبعها الكاتب، وخريطة الطريق التي تحدد الدروب والمسالك في أي كتابة علمية.
هذا هو الكتاب الذي أطلقت عليه أنه كتاب من الكتب الأولى، وأنه الكتاب الأم في بابه، وهذا سمته وموقعه في عالم الكتب والكتابة. أما موضوعه فهو القراء الكبار الذين وضعوا القواعد الأولى لبيت تلاوة كتاب الله في مصر والعالم العربي والإسلامي بل العالم كله لأنهم حين وضعوا هذه الأصول والقواعد وضعوا أسسا كبرى لعلم تلاوة القرآن الكريم. والعلم لا وطن له ولادين. والعلم ملكية عامة لكل البشر ولكل زمن ولكل أمة. وهؤلاء الأعلام من القراء لهم تاريخ بلاشك ولهم ظرف اجتماعي وحضاري وإنساني عاشوا فيه وتفاعلوا معه، وقدموا أنفسهم وأداءهم الفريد. وهذا الموضوع يتسم بتاريخيته وبفرديته. فهو تاريخي من حيث المنشأ والتكوين، ومن حيث التقاليد القرائية الممتدة عبر الأجيال. وكل قاري من هؤلاء القراء امتثل لهذه التقاليد المرعية وأخذ بها. ولوقلنا وهذا صحيح إن التقاليد القرائية في سياقها التاريخي تمثل الجماعة العربية والجماعة والمسلمة، فإن كل قاريء يمثل حالة فردية أي طابعه الفردي الذي يتجلى في مقدرته على الإبداع في إطار التقاليد المرعية. وهؤلاء القراء هم مادة التحليل والتعليل والتفسير الذي يمارسه هيثم أبوزيد باقتدار وانضباط فريدين.
وهؤلاء القراء المصريون هم أهل الاحتجاج القرائي الذي يتوازى مع الاحتجاج اللغوي. وقد التفت هيثم أبو زيد إلى الربط بين زمنين بعيدين لكنهما منشابهان: زمن الاحتجاج اللغوي، وزمن الاحتجاج القرائي، وهذا من فطنته واتساع رؤيته. فالاجتجاج اللغوي لم تنشأ الحاجة إليه إلا في زمن تدوين اللغة والثقافة العربية خوفا عليهما من الضياع بعد أن اللغة العربية من مهدها الأول إلى بلاد جديدة بها لغات عديدة امتزج أهلها بالعرب وبالعربية. فكان من الضروي البحث عن معيار لتحديد الفصيح من المولد، وصار هناك شعراء هم أهل الاجتجاج بلغتهم وشعراء مولدون لا يحتج بلغتهم العربية. وشعراء الاحتجاج هم شعراء العصر الجاهلي وصولا إلى إبراهيم بن هرمة آخر الشعراء الذين يحتج بشعرهم. فهؤلاء القراء الأوائل في مصر القرن العشرين هم بالتوازي شعراء الاحتجاج. فهم أهل القول الفصل في أصول التلاوة والنغم والأداء الرفيع.
وفي مقابل هؤلاء تتبع الكاتب القراء الذين أهدروا أصول فن التلاوة لقلة بضاعتهم، وضعف تربيتهم وتكوينهم وجرأتهم على كتاب الله سعيا وراء المال والشهرة. ولذلك وقع الكتاب قسمة بين فريقين: فريق الأوائل من الكبار والرواد وهم الذين ذاعوا وانتشروا منذ 1934-1954م عبر الإذاعة المصرية حال نشأتها، وجاء بعدهم فريق من القراء في الفترة 1955-1965م كانوا “قراء محترمين يؤدون أداء متماسكا بلا إسفاف ولا تقليد ولكنه كانوا عاديين”. والقسم الثاني في الكتاب هم الذين يمثلون تراجع التلاوة المصرية وبدء انهيارها. ولكن النهج العلمي الذي انتجهه هيثم أبوزيد كما دفعه إلى معرفة سمات الإجادة والتميز، دفعه ‘لى البحث في أسباب التدهور والانهيار وظرق المعالجة.ولذلك عددت هذا الكتاب من الكتب الأولى.
ويبقى أن أختم مقالتي هذه بدعوة القراء لقراءته وبقول الكاتب” فبالرغم من وجود مدارس أدائية جيدة في بلاد مثل العراق أو السودان أو المغرب، فإن كل هذه الأداءات اتسمت بالمحلية. فلن تجد عراقيا يستمع إلى قاريء سوداني، ولن تجد تونسيا يستمع إلى قاريء عراقي. لكن كل هؤلاء يستمعون ويقدرون القاريء المصري صاحب “الأداء العمومي” الصالج لكل بقاع العالم الإسلامي”.











