في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة التي يمر بها العالم، والتي انعكست آثارها بوضوح على الاقتصاد المصري بصفة خاصة، لم يعد الحديث عن ترشيد الإنفاق الحكومي مجرد خيار، بل أصبح ضرورة وطنية ملحّة. فالعالم يعيش موجات متتالية من التضخم وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وتواجه الدول النامية ضغوطًا اقتصادية غير مسبوقة، بينما تسعى الحكومات إلى تقليل النفقات غير الضرورية وتوجيه الموارد إلى القطاعات الأكثر احتياجًا مثل: التعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية.
ومصر ليست بمعزل عن هذه التحديات؛ فالمواطن المصري يتحمل يوميًا آثار الأزمات الاقتصادية العالمية، من ارتفاع الأسعار إلى ضغوط المعيشة، في وقت تُطالب فيه الدولة الجميع بالصبر والعمل، وتحمل المسؤولية من أجل تجاوز المرحلة الصعبة.
لكن وسط هذه الظروف الدقيقة، يفاجأ الرأي العام أحيانًا بقرارات إدارية تثير التساؤلات، مثل استحداث مسميات وظيفية جديدة داخل بعض الوزارات تحت عناوين براقة مثل: “مستشار الوزير” أو “مساعد الوزير”، وهي مناصب قد تكون في بعض الحالات ضرورية بالفعل، لكنها في حالات أخرى تبدو وكأنها مجرد إضافة بيروقراطية جديدة، لا تقدم قيمة حقيقية بقدر ما تضيف أعباء مالية على الموازنة العامة.
ومصطلح “الفنكوش”، الذي دخل الثقافة الشعبية المصرية ليعبر عن الشيء الوهمي الذي يُروَّج له بلا وجود حقيقي، أصبح للأسف أقرب ما يكون لوصف بعض المسميات الوظيفية التي تظهر فجأة داخل المؤسسات، دون أن يشعر المواطن بأي أثر ملموس لدورها أو نتائج عملها.
إن المشكلة ليست في وجود مستشارين بحد ذاته، فالدول الحديثة تعتمد على الخبرات والكفاءات المتخصصة في صنع القرار. لكن المشكلة الحقيقية تظهر عندما تتحول هذه المناصب إلى باب للتوسع الإداري غير المبرر، أو وسيلة لمنح ألقاب ومزايا مالية دون وجود دور واضح أو نتائج قابلة للقياس.
وفي الوقت الذي تُطالب فيه الحكومة المواطنين بترشيد الاستهلاك وتحمل الإجراءات الاقتصادية الصعبة، يصبح من الطبيعي أن يتساءل المواطن: هل تطبق مؤسسات الدولة نفس مبدأ الترشيد داخل أروقتها؟
فكل منصب جديد يعني مكتبًا جديدًا، ورواتب وبدلات، ومصاريف إدارية، وربما جهازًا إداريًا كاملاً يتبعه. ومع تكرار هذه الظاهرة، تتحول القضية من مجرد قرار إداري بسيط إلى قضية مرتبطة بكفاءة إدارة المال العام.
إن المرحلة الحالية تحتاج إلى إدارة أكثر رشادة للموارد، وإلى مراجعة جادة لكل بند من بنود الإنفاق الحكومي. فالأولوية يجب أن تكون لدعم الخدمات الأساسية، وتحسين حياة المواطنين، وتشجيع الاستثمار والإنتاج، لا لتضخم الهياكل الإدارية.
الرسالة هنا ليست انتقادًا من أجل الانتقاد، بل دعوة صادقة لإعادة النظر في فلسفة استحداث المناصب القيادية داخل المؤسسات الحكومية، والتأكد من أن كل منصب جديد يضيف قيمة حقيقية للعمل العام.
ففي زمن الأزمات الاقتصادية، لا مكان للفنكوش…
بل للكفاءة، والشفافية، والمسؤولية في إدارة كل جنيه من أموال هذا الوطن!










