كيف يبدو المشهد بين المصريين في الخليج الآن؟ بينما تتزايد حدة التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وتتصاعد وتيرة الضربات العسكرية المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، يبدو المشهد داخل أوساط الجالية المصرية في دول الخليج العربي مغايرا للصورة النمطية عن الهلع أو الاضطراب. يراقب ملايين المصريين المقيمين في دول الخليج الأحداث عن كثب وسط حالة من الترقب الحذر، متمسكين بوظائفهم ومنتهجين التريث قبل اتخاذ أي قرار بالعودة النهائية، مراهنين على احتمالية استقرار الأوضاع في الدول المضيفة.
الواقع بعيدا عن صخب الأخبار
معايير الميدان:
خلف واجهات المكاتب في دبي والرياض، لا يدور الحديث بين المصريين حول سيناريوهات الفرار، بل يتمحور حول تقييم عقلاني للموقف يستند إلى معطيات الواقع، ويقدم مصري مقيم في الإمارات منذ خمس سنوات، نموذجا لهذه الرؤية. فمن واقع خبرته المهنية في التحليل الاستراتيجي، يرى أن تداعيات الصراع وإن كانت تحمل نذر تأثير مستقبلي على استدامة العمالة، إلا أن المؤشرات الحالية لا تعكس تأثرا فعليا يمس جوهر الأعمال.ورغم التباين الحاد في التغطيات الإعلامية بين الطمأنة المطلقة والتحذيرات القاتمة، يتسم الواقع المعاش بالثبات رغم سماع أصوات اعتراض المسيرات أو حوادث سقوط الشظايا، حسبما أكد لإنتربرايز، إذ لم تشهد وتيرة الحياة اليومية وشبكات المواصلات والخدمات أي تعطل حقيقي. كما أكد أن الأوضاع ما زالت تحت السيطرة ولا تستدعي اللجوء لخيار العودة النهائية طالما لم يفرض الواقع الأمني ذلك، خاصة في ظل المسؤوليات الاقتصادية.
إرث الأزمات
تباين موقف الجاليات في إدارة المخاطر:
لفت المواطن إلى ظاهرة اجتماعية تتجلى في تباين ردود فعل الجاليات تجاه الأزمة، فبينما عمدت بعض الجاليات الأجنبية إلى اتخاذ إجراءات احترازية مشددة — شملت تخزين الأطعمة وتجهيز حقائب الطوارئ — تتمسك الجالية اللبنانية والمصرية على سبيل المثال بالتريث والهدوء، ويرجع هذا التماسك إلى خلفية الصراعات التاريخية، إذ عايشوا فترات من الاضطراب ولدت لديهم قدرة على الفصل بين التهديدات العابرة والانهيار الشامل.
ولكن.. التوتر يسود الأجواء:
رصدت مصرية مقيمة في الإمارات حالة من التوتر الصامت تغلفت بها الحياة اليومية، بعد أن فرضت تنبيهات الطوارئ المتكررة وأصوات اعتراض المسيرات ضغوطا نفسية ومزاجية واضحة، خاصة مع تزامنها مع شهر رمضان ما انعكس على أجوائه وإحساسهم به. كما لم تكن ذروة التأثير أمنية فحسب، بل شملت حالة العزلة التي فرضها تعطل حركة الطيران وتعثر خطط السفر لرؤية العائلات في مصر نتيجة إلغاء الرحلات، ما خلق عبئا نفسيا يتجاوز المخاوف الأمنية المباشرة، حسبما قالت لإنتربرايز.
تحديات لوجستية
على المستوى اللوجستي، لم يخل المشهد من تحديات فرضتها الجغرافيا السياسية، خاصة في قطاع الطيران الذي شهد اضطراباتملحوظة منذ بداية الأزمة، إذ تسبب إغلاق بعض الأجواء الإقليمية في إلغاء الرحلات وارتفاع قياسي في أسعار التذاكر نتيجة زيادة تكاليف تأمين المخاطر. ويروي مصري مقيم في الإمارات أيضا لإنتربرايز تجربته عندما ألغيت رحلته الجوية من دبي إلى السعودية، ما اضطره إلى سلوك المسارات البرية لأداء مناسك العمرة. وأثناء رحلته بالحافلة، رصد تحول العاصمة إلى محطة عبور للمسافرين من جنسيات مختلفة، محاولين الوصول إلى وجهاتهم برا في ظل تعطل الملاحة الجوية.
دفعت هذه الأوضاع أجهزة الدولة المصرية للتحرك استباقيا، إذ نسقت وزارة الخارجية مع شركات الطيران لتنظيم رحلات استثنائية وبحث مسارات بديلة. شمل هذا التحرك تفعيل نظام الطوارئ والخطوط الساخنة ببعثات الخليج، بهدف توفير مظلة دعم فني وقانوني للمواطنين على مدار الساعة. كما عقد الاتحاد العام للمصريين في الخارج، اجتماعا افتراضيا الخميس الماضي مع قيادات الجاليات لضمان انسيابية رحلات الطيران وتأمين تأشيرات العبور الاضطرارية.
لماذا يظل خيار العودة مستبعدا؟
لا يمكن قراءة حجم هذا الترقب بمعزل عن البيانات، إذ تعد مصر واحدة من أكبر الدول المصدرة للعمالة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بإجمالي يقترب من حاجز 12 مليون مواطن بالخارج، وفقا لتقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وتستوعب دول الخليج وحدها الكتلة الحرجة بنحو 7 ملايين مصري، بحسب تقرير المنظمة الدولية للهجرة. يحول هذا التركز السكاني الكثيف أي اضطراب أمني في المنطقة إلى تحد استراتيجي يتجاوز البعد الفردي، إذ يمثل هؤلاء عمالة نظامية ترتبط استدامة إقامتها باستقرار بيئة الأعمال، وهو ما يجعل من التريث خيارا ضروريا لتفادي خسارة مكتسبات مهنية تراكمت عبر سنوات.
وهو ما أكده مصمم المنتجات الرقمية، أحمد يحيى، المقيم في السعودية، مشيرا إلى أن الحياة اليومية تمضي بوتيرة طبيعية كما كانت قبل اندلاع الأحداث، موضحا أن خيار العودة إلى مصر بالنسبة له ليس مطروحا في الوقت الحالي. “ارتباطاتي المهنية وحياتي استقرت هنا بالكامل، والعودة الآن لا تعني فقدان الوظيفة فحسب، بل التخلي عن الاستقرار المالي لصالح سوق عمل داخلي محدود الفرص وتكلفة معيشية باهظة، لذا لست مستعدا للتضحية بما بنيته بسبب أحداث إقليمية نأمل أن تمر بسلام”.
وبالنسبة له وللسواد الأعظم من الجالية، لم يصل هاجس الأمان إلى عتبة دفع المواطنين للرحيل، خاصة مع استمرار الرقابة الصارمة على الأسواق وضمان سلاسل الإمداد. كما أسهم وعيه بالطابع العالمي للأزمة في احتواء مخاوفه، إذ لاحظ خلال تواصله مع أصدقائه في وجهات مثل أستراليا والمملكة المتحدة، أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار المحروقات باتت أزمة عالمية مشتركة والتأثر بها لا يقتصر على المنطقة العربية فحسب.
يبرز الثبات الحذر للمصريين في الخليج كمحاولة لتفادي خسارة مكتسبات تراكمت عبر سنوات، متمسكين بالبقاء ورصد مستجدات الموقف، بانتظار أن تضع الحرب أوزارها ويستعيد المشهد الإقليمي توازنه، بدلا من الانجراف وراء قرارات العودة الانفعالية.










