إيران بعد اغتيال علي لاريجاني لن تكون كما كانت قبله
1ــ أعلنت إيران رسميا عن اغتيال الدكتور علي لاريجاني، أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وبهذا الخبر تكون إيران قد خسرت الساق الثانية الراسخة لها في نظامها القائم منذ 47 عاما.
2ــ فقد كانت إيران تقف على ساقين قويتين عسكرية وسياسية، أما العسكرية فقد خسرتها باغتيال الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، وهو الذي كان موكلا له تنفيذ المشاريع العسكرية العابرة للحدود.
3ــ واليوم تفقد إيران ساقها السياسية المتمثلة في علي لاريجاني، وزير الثقافة (1992 ــ 1994م)، ورئيس البرلمان (2008 ــ 2020) وسليل عائلة آية الله لاريجاني الشهيرة، وشقيق رئيس السلطة القضائية آية الله صادق آمُلي لاريجاني، وشقيق فيلسوف النظام، المفكر، جواد لاريجاني، واضع نظرية “أم القرى” التي على أساسها توسعت إيران في الإقليم ومدت روابطها بمراكز محور المقاومة من لبنان إلى فلسطين واليمن والعراق وغيرها.
4ــ ولأن إيران لم تتمكن من تعويض اغتيال قاسم سليماني بل عينت شخصا تثار الشكوك حول تخابره لصالح إسرائيل، فإنها اليوم لن تتمكن على الأرجح من تعويض علي لاريجاني وعليه يمثل لاريجاني لحظة فاصلة في تطور النظام السياسي الإيراني، ليس فقط لأن اغتياله يمثل استهدافا لشخصية رفيعة، ولكن لأنه يأتي في سياق تراكمي من الضربات التي طالت رأس الهرم ومراكز صنع القرار، وعلى رأسها اغتيال علي خامنئي في حرب العاشر من رمضان الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
5ــ ويعكس هذا التتابع في استهداف النخبة الحاكمة انتقال الصراع من مستوى الاحتواء أو الردع إلى مستوى “تفكيك البنية القيادية”، وهو ما يفرض على النظام الإيراني تحديا وجوديا حقيقيا هذه المرة يتعلق بكيفية إعادة إنتاج نفسه في ظل فقدان رموزه الأكثر تأثيرا وخبرة، مثل لاريجاني وسليماني.
6ــ ومن المعروف أن لاريجاني كان يمثل داخل النظام ما يمكن تسميته بـ“العقل المنسق” بين المؤسسات المختلفة، أو “المايسترو” أمام الأوركسترا، إذ جمع بين خلفية أمنية وسياسية وإدارية، وبين قدرة على التواصل مع التيارات المتباينة داخل النخبة، فضلا عن خبرته في الملفات الإستراتيجية، خاصة تلك المرتبطة بالعلاقات الدولية، ففي عهده تم توقيع الاتفاق النووي لعام 2015م، وهو الذي أدار الاتفاقية الخمس وعشرينية مع الصين لعام 2021م، وهو الذي وقعها.
7ــ بالتالي فإن إيران باغتيال لاريجاني تفقد اليوم أحد أهم عناصر التوازن التي كانت تحد من تغول التيار الأمني الصلب، وتسمح بوجود هامش من البراجماتية في إدارة الأزمات؛ لذلك، فإن غيابه لا يخلق فقط فراغا وظيفيا، بقدر ما يخل بالتوازن الدقيق الذي كان يحكم العلاقة بين مراكز القوة في طول البلاد وعرضها والذي وضع قواعده الهندسية السياسية المرشد الراحل علي خامنئي.
8ــ في ضوء ذلك يبدو أن إيران تدخل يوم الثلاثاء 17 مارس 2026م، مرحلة انتقال من “الدولة المركزية المنضبطة” إلى نمط أقرب إلى “النظام الشبكي”، حيث تتوزع السلطة الفعلية بين عدة مراكز، أبرزها الحرس الثوري، والشبكات الأمنية، وبعض المرجعيات الدينية ذات النفوذ في مجلسي خبراء القيادة وصيانة الدستور، وبطبيعة الحال فإن هذا التحول سيعني بالضرورة ضعفا مباشرا وليس انهيارا وشيكا، مع شكوك واسعة حول قدرة النظام على امتصاص كل هذه الصدمات في وقت وجيز، وفي المقابل سيؤدي مثل هذا الاغتيال الذي يعد أكثر أثرا من اغتيال المرشد علي خامنئي صباح يوم السبت 28 فبراير 2026م، إلى إضعاف قدرة النظام على اتخاذ قرارات ذات صفة إستراتيجية متماسكة، ويزيد من احتمالات التباين، بل والتنافس، بين مراكز القرار المختلفة في مرحلة ما بعد لاريجاني.
9ــ ومع تراجع الشخصيات البراجماتية مثل لاريجاني، يتعزز حضور التيار العقائدي الأمني، وهو تيار يميل بطبيعته إلى مقاربة الصراع بمنطق الصدام لا الاحتواء، ويرى في التراجع أو التفاوض مؤشرا على الضعف، ومن شبه المؤكد أن يدفع هذا التحول في ميزان القوى داخل النظام باتجاه سياسات أكثر تشددا، سواء في الداخل من خلال تعيين الشخصيات الأكثر يمينية، أو في الخارج عبر تصعيد أدوات الرد على بنك الأهداف الأمريكي الإسرائيلي، وهو ما يرفع منسوب المخاطر المرتبطة بسوء التقدير أو الانزلاق إلى مواجهات أوسع غير منضبطة الحسابات الإستراتيجية.
10ــ في الوقت ذاته، لا يمكن إغفال أن هذا التماسك الظاهري الذي قد تفرضه حالة الحرب والتعبئة، يخفي وراءه ضغوطا داخلية متراكمة، اقتصادية واجتماعية وسياسية، ذلك أن المجتمع الإيراني، الذي يعاني أصلا من أزمات بنيوية قد يجد نفسه أمام مزيد من الضغوط في ظل غياب قيادات قادرة على إدارة التوازن بين متطلبات الأمن ومقتضيات الاستقرار الداخلي، ومن ثم، فإن النظام قد ينجح في فرض السيطرة على المدى القصير، لكنه سيواجه تحديا أكبر يتعلق بالحفاظ على تماسكه في المديين المتوسط والبعيد، إن استمرت الحرب لأجل غير مسمى.
11ــ بناء على ما سبق من المبكر جدا بل من المغالطة القول إن اغتيال لاريجاني سيقود إلى سقوط سريع للنظام الإيراني، لكنه سيدفعه إلى مرحلة أكثر تعقيدا وغموضا، تتسم بتراجع العقلية المركزية، وصعود النزعات الأمنية، وتزايد صعوبة التنبؤ بالمسارات المستقبلية المنطقية، بحيث يمكن القول إن إيران ستكون إزاء مرحلة يمكن وصفها بأنها انتقال من “الاستقرار المنضبط” إلى “الاستقرار الهش”، حيث تبقى الدولة قائمة، لكن قدرتها على التحكم في مساراتها الداخلية والخارجية تصبح موضع اختبار دائم.
12ــ شخصيا أتوقع أن تتم تسمية أحد رجلين للمنصب بناء على المادة 176 في الدستور الإيراني التي تخول الرئيس تعيين أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي بعد موافقة المرشد، والرجلين هما إما سعيد جليلي الذي كان قد شغل المنصب سابقا، أو الدكتور علي باقري كني مساعد لاريجاني الحالي في المنصب والذي كان قد شغل منصب وزير الخارجية في الفترة الانتقالية بعد اغتيال الرئيس إبراهيم رئيسي في نهار التاسع عشر من مايو 2024م.










