ولماذا لا ماذا يوجد في القاع؟
بعض الناس حين تسقط الحياة؟
ماذا يحدث حقًا عندما نصل إلى القاع؟
هل ننكسر؟
أم نكتشف شيئًا لم نكن نراه ونحن واقفون؟
ليس كل من يتألم ينهار.
وليس كل من ينجو كان محظوظًا.
بعض الناس لا يملكون ثقافة الانهيار أصلاً.
أنا لا أؤمن بالانهيار كخيار
في لحظات الخسارة، الفقد، الصدمة، أو التغيّر القاسي،
كان السؤال دائمًا يُطرح عليّ:
كيف لم تكتئبي؟ كيف لم تتوقفي؟
والجواب لم يكن بطولة،
بل تكيّفًا… ثم استمرارًا.
لم أتعامل مع الألم كعدو يجب قتله،
ولا كقدر يجب احتماله للأبد.
تعاملت معه كإشارة:
افهمها، عدّل مسارك، ثم تحرّك.
تجربة واقعية قصيرة
تذكرت حالة عميلة سابقة التي فقدت عملها فجأة بعد سنوات طويلة،
كانت تصف لي شعورها بالضياع والخوف من المستقبل.
بدل أن تنغلق على ألمها، وجهتها نحو تسجّيل يومياتها، تحدد أهداف صغيرة يوميًا، وتعيد ترتيب أولوياتها.
خلال أسابيع، لاحظت كيف بدأ القلق يتراجع شيئًا فشيئًا، وكيف أصبحت أكثر وضوحًا في اختياراتها العملية.
هذه التجربة الصغيرة هي صورة حية للتكيّف والاستمرار: مواجهة الواقع، تقبل المشاعر، التحرك نحو ما يمكن تغييره.
التكيّف ليس البقاء في النار
في علم النفس، التكيّف لا يعني أن يعتاد الإنسان الألم حتى يحترق.
هذا فهم شعبي خاطئ.
التكيّف يعني:
تعديل الاستجابات النفسية والسلوكية بما يسمح بالنجاة، تقليل الضرر، والاستمرار الوظيفي.
الدراسات في علم النفس السريري تفرّق بوضوح بين:
التحمّل المؤذي
والتكيّف الصحي
الأول يستنزف،
والثاني يُنقذ.
من الخارج… إلى الداخل
التكيّف يعمل على مستويين متوازيين:
التكيّف مع الواقع الخارجي
(الظروف، التغيّرات، التحديات، العلاقات، الفقد)
التكيّف مع الواقع الداخلي
(الأفكار، المشاعر، المعتقدات)
وهنا يلتقي التكيّف مع ما تسميه المدارس الحديثة:
القبول والالتزام.
القبول ليس استسلامًا… بل شجاعة
في العلاج المعرفي السلوكي الحديث، وخاصة:
ACT (العلاج بالقبول والالتزام)
DBT (العلاج الجدلي السلوكي)
القبول يعني:
السماح للمشاعر والأفكار أن تكون موجودة… دون أن تحكم حياتك.
نحن لا نكبت الألم،
ولا نسبح داخله إلى ما لا نهاية،
بل نسمح له بالمرور.
ثم نلتزم:
بالقيم
بالفعل
بالاستمرار
وجهتان لعملة واحدة
حين أقول: تكيّف واستمر
وحين يقول العلم: اقبل والتزم
فنحن لا نتناقض،
نحن نستخدم لغتين للمعنى نفسه:
مرونة مع الواقع
مرونة مع الداخل
حركة واعية رغم الألم
الفرق ليس علميًا…
بل لغوي.
السؤال الذي لا يُطرح بما يكفي
ليس:
لماذا نتألم؟
بل:
ماذا نفعل بعد أن نفهم الألم؟
هل نجلس في القاع ونسمّيه وعياً؟
أم نستخدمه كنقطة انطلاق؟
الخاتمة
القاع ليس نهاية دائمًا.
أحيانًا هو أوضح مكان للرؤية.
التكيّف لا يعني أن تعتاد الجرح،
والاستمرار لا يعني أن تنكر النزف.
التكيّف والاستمرار
هما أن تفهم…
ثم تختار الحياة.
جعلت من التكيف والاستمرار رسالتي في الحياة،.
رهام عيسى، باحثة في علم النفس وكاتبة إبداعية، متخصصة في موضوعات التكيّف النفسي، القبول، والمرونة النفسية.
المراجع العلمية الداعمة:
Hayes, S. C., Strosahl, K. D., & Wilson, K. G.
Acceptance and Commitment Therapy: The Process and Practice of Mindful Change.
Beck, J. S.
Cognitive Behavior Therapy: Basics and Beyond.
Linehan, M. M.
DBT Skills Training Manual.
American Psychological Association (APA):
Psychological Adaptation & Coping
PubMed
Psychology Today
اختصاصية نفسية










