” اللهم بحق فاطمة ” بين الأصل العقدي والجدل المعاصر :
إن الاستشفاع بأهل الفضل والصلاح في بعض الأدعية يفهم في ضوء ما قرره القرآن الكريم من تعظيم آل بيت النبوة ، كما في آية التطهير ، والأمر بمودتهم ، مع التأكيد أن الأصل في الدعاء هو التوجه إلى الله تعالى وحده ، واتخاذ الوسائل المشروعة التي أقرها القرآن الكريم . قال تعالى : ” وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ” سورة البقرة : ١٨٦ .
- ويبقى الأصل الذي لاخلاف عليه : أن الله تعالى هو المقصود بالدعاء
وأن محبة آل البيت وتعظيمهم خلق إيماني رفيع ، يجتمع مع التوحيد ولا يتعارض معه إذا انضبط بضوابطه الشرعية • - والتوسل إلى الله تعالى بالصالحين لا ذنب فيه ، الممنوع فقط
هو طلب الغوث والاستعانة بالموتى •
أولا : نص الدعاء وسياقه :
- الدعاء المتداول : ” اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها ، وبالسر الكامن فيها ، ألا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من خلقك “
- ينسب هذا الدعاء في بعض الأوقات الشعبية إلى محبة آل البيت
- يتداول خاصة في مصر ، مقرونا بالاعتزاز ب فاطمة الزهراء وأهل بيت النبي – صلى الله عليه وسلم –
تنبيه علمي: ” هذا الدعاء لا يعرف له أصل ثابت في كتب السنة
المعتمدة أي” الكتب الستة ” ، ولا ورد بهذا اللفظ عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا عن الصحابة •
- ثانيا : تحليل ألفاظ الدعاء : ١ – قوله ” بحق فاطمة ” • يتضمن
التوسل بجاه فاطمة الزهراء • وهي سيدة جليلة ، قال فيها النبي – صلى الله عليه وسلم – ” فاطمة بضعة مني ” متفق عليه .
٢ – قوله : ” وأبيها ” المقصود النبي محمد – صلى الله عليه وسلم –
٣- قوله : ” وبعلها ” : ” أي زوجها علي بن أبي طالب – رضي الله عنه ، وكرم الله وجهه ” لأنه لم يسجد لصنم قط “
٤- قوله : ” وبنيها ” : أي الحسن بن علي والحسين بن علي ” رضي
الله عنهما •
٥- قوله : ” وبالسر الكامن فيها ” عبارة غامضة ، فسرها البعض
بأنها : شرف النسب ، أو البركة ، أو أمر غيبي خاص •
هذه العبارة تحديدا هي أكثر ما أثار الإشكال العقدي •
ثالثا : ما سبب غضب بعض العلماء من هذا الدعاء ؟
- اختلف العلماء في حكم التوسل :
- جمهور أهل السنة : يجوز التوسل بالأعمال الصالحة ، كقصة أصحاب الغار الثلاثة الذي أغلق الغار عليهم ولما توسل كل واحد إلى الله بحق عمل صالح له انفرج عنهم الغار • وأسماء الله الحسنى
ويختلفون في التوسل بجاه الأشخاص • - بعض العلماء ” خاصة السلفيين ” لا يجيزون التوسل بالذوات
” كقول : ” بحق فلان ” لذلك رأوا أن هذا الدعاء غير مشروع أوبدعة •
٢- عبارة ” السر الكامن فيها ” : اعتبرها بعض العلماء : • مبالغة غير منضبطة • أو إيحاء بمعان غيبية غير ثابتة • وهذا يفتح
باب الغلو ، وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” إياكم
والغلو في الدين “
٣- عدم ثبوت الدعاء :
- القاعدة الأصولية : الأدعية المخصوصة تحتاج إلى دليل •
- ولما لم يثبت هذا الدعاء : اعتبره بعضهم محدثا ” بدعة “
رابعا : لماذا يقبله البعض ؟
١ – حب آل البيت : • لاشك أن حب فاطمة الزهراء وآل البيت :
من عقيدة أهل السنة ، ومن الإيمان •
٢- التوسل عند بعض المدارس : بعض العلماء ” خاصة الأشاعرة والصوفية ” : يجيزون التوسل بجاه النبي وآل البيت ، بشرط
عدم الاعتقاد باستقلالهم بالنفع •
البعد الوطني في الدعاء : ” • الدعاء لمصر : ” ألا تجعل لمصر
حاجة عند لئيم ” يعبر عن . الكرامة ، الاستغناء ، رفض الذل •
خامسا : الرأي العلمي الراجح ” بتوازن ” ، يمكن تلخيص الموقف
في ثلاث نقاط : ١- من حيث المعنى العام : • الدعاء لمصر بالعزة
والاستغناء ، معنى صحيح وجميل •
٢ – من حيث الصيغة : • الصيغة غير ثابتة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – والأولى الالتزام بالأدعية من القرآن الكريم والأدعية المأثورة •
٣- من حيث التوسل : • مسألة خلافية معتبرة • لايبدع فيها المخالف بإطلاق • لكن الأحوط ترك الصيغ المختلف فيها •
سادسا : البديل المشروع : يمكن الدعاء بصيغ ثابتة مثل :
” اللهم اغننا بحلالك عن حرامك ، واغننا بفضلك عمن سواك “
” اللهم احفظ مصر وأهلها ، وارزقها الكرامة والاستغناء “
سابعا : الخاتمة المؤثرة : ” إن محبة آل بيت النبي – صلى الله عليه وسلم – وعلى رأسهم فاطمة الزهراء ، نور في القلوب ، ولكن
هذا النور ينبغي أن يضبط بميزان العلم لا العاطفة وحدها •
- فليس كل ما قيل بدافع الحب يكون صوابا ، وليس كل ما رد
كان بغضا • بل الحق وسط بين الإفراط والتفريط • - نحب آل البيت .. ونتبع السنة .. فنفوز بالاثنين معا •
” سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم “
وصلاة وسلاما على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
- القرآن الكريم .
- صحيح البخاري ومسلم ” في فضل فاطمة رضي الله عنها “
- النووي : شرح صحيح مسلم •
- ابن تيمية : القاعدة الجليلة في التوسل
- الشوكاني : تحفة الذاكرين .
- كتب العقيدة ” باب التوسل ” •










