يقف العالم حائرا أمام تحولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتناقضاته المتلاحقة في إدارته للحرب الجارية حاليا بالمشاركة مع إسرائيل ضد إيران، فهو يتحدث عن المفاوضات والتقدم الذي يتحقق فيها، ثم يسارع إلى التصعيد العسكري، ويهدد ويتوعد ثم يتراجع ويعود إلى لغة الدبلوماسية الناعمة، ويعطي مهلة لإيران كي تأتي مستسلمة وتطلب وقف إطلاق النار ثم يتراجع ويعطي مهلة ثانية وثالثة، ويؤكد أنه حقق النصر الكامل وقضى تماما على البرنامج النووي الإيراني ثم يعلن أن الحرب مستمرة حتى يتم تدمير البرنامج النووي، ويدلي بتصريحات متشددة ضد القادة الإيرانيين ويدعو الشعب إلى الخروج عليهم وتغيير النظام، ثم يفاجئ العالم بتصريحات مناقضة يثني فيها على هؤلاء القادة وهداياهم الخفية التي قدموها له، بينما الإيرانيون ينفون رواياته جملة وتفصيلا، ويتعجبون من”قدرته على الكذب”.
وقد اختلف المحللون السياسيون في تفسير هذه التحولات، فمنهم من اعتبرها دليل ذكاء خارق لرجل استثنائي يجيد المناورات واللعب على أعصاب خصومه ليربكهم ويجعلهم يلهثون وراءه، ولا يعطيهم فرصة للتنبؤ بخططه وتصرفاته، ومنهم من يراها دليل فشل وتخبط، فالمبالغات الفارغة واختلاق وقائع غير حقيقية وعدم الثبات على موقف تفقد الرئيس مصداقيته، حتى بالنسبة لشركائه في حلف (الناتو)، الذين رفضوا الانضمام إليه في الحرب.
لكن المتفق عليه أن ترامب يدير الحرب بمزيج من الضغط الأقصى والتصعيد العسكري، ثم يظهر تحولات سريعة وتناقضات في الأهداف والتصريحات، وينتقل من ادعاء الانتصار الفوري إلى الحديث عن الحاجة إلى إنهاء المهمة، وقد أثارت هذه التناقضات انتقادات واسعة لدى سياسيين أمريكيين وأعضاء بالكونجرس وقادة مؤسسات أمنية، وصفوها بأنها “رسائل متضاربة تعبر عن ارتباك إستراتيجي في حرب بلا بوصلة”.
ويقول المحللون الناقمون إن تناقضات ترامب تعكس وقوعه تحت ضغوط اقتصادية داخلية وخارجية (انهيار أسعار النفط والأسواق)، ومعارضة من الرأي العام الأمريكي، وضغوط إقليمية متضاربة، فإسرائيل تريد استمرار الحرب بأي ثمن، بينما دول الخليج والعرب عموما يضغطون لإنهاء الحرب.
لقد زعم الرجل أنه يفضل المسار الدبلوماسي التفاوضي ومنع إسرائيل من شن هجوم على إيران، لكنه وسط المفاوضات أعلن فجأة عن بدء “عمليات قتالية كبرى للقضاء على التهديد النووي”، و”تدمير صناعة الصواريخ”، و”إنهاء دعم الوكلاء الإرهابيين”، وبعد أن كان قد ادعى في أعقاب حرب العام الماضي “القضاء التام على البرنامج النووي الإيراني” عاد ليبرر حرب العام الحالي بـ”التهديد النووي الوشيك”، متعهدا بأن الحرب “لن تكون صعبة، وستستمر 4-5 أسابيع كحد أقصى لتدمير قدرات إيران العسكرية بالكامل (أكثر من 10 آلاف هدف)، ولن تكون هناك حاجة لنشر قوات برية، ثم تراجع عن ذلك كله وأمر باستدعاء آلاف من المظليين ووحدات مشاة البحرية (المارينز) للقيام بغزو بري واحتلال جزيرة (خرج) الإيرانية الغنية بالنفط.
وفي مطلع مارس الحالي أعلن أن “الحرب منتهية إلى حد كبير، لقد انتصرنا بالفعل”، ثم عاد ليقول: “سنستمر في ضربهم”، وفي الأسبوع الماضي عرض خطة من 15 نقطة لوقف إطلاق النار تتضمن إنهاء البرنامج النووي وتسليم اليورانيوم المخصب وكبح الصواريخ وإعادة فتح مضيق هرمز ووقف دعم (الوكلاء)، لكن إيران رفضت هذه النقاط وطرحت 5 شروط مضادة لوقف الحرب تشمل الحصول على تعويضات ورفع العقوبات وضمانات دولية بعدم تكرار العدوان، ورغم الفارق الشاسع بين الموقفين إلا أن ترامب أصر على أن المفاوضات مثمرة، وأنه وجد أخيرا قادة في إيران يمكن التفاهم معهم، وأنهم يتوسلون لإبرام صفقة، وطلبوا مد المهلة عشرة أيام، وقدموا هدية كبيرة لأمريكا تتعلق بالغاز والنفط ومضيق هرمز (سماه مضيق ترامب)، الذي سيكون تحت إدارة مشتركة بينه وبين المرشد الإيراني، مدعيا أن إسقاط النظام الإيراني لم يكن هدفا، لكن إيران نفت ذلك كله، وأكدت عدم وجود محادثات مباشرة مع ترامب، وأنه “يتفاوض مع نفسه”.










