يتوجب علينا إعادة التفكير في كل ما نعرفه حول العلاقة بين الأمعاء ومرض السكري. ليس لأن الدراسات السابقة كانت غير دقيقة، بل على العكس، فقد ركزت هذه الأبحاث على دور البكتيريا والفطريات في الأمعاء وتأثيرها على الأيض ومرض السكري، مما أدى إلى ف understanding important insights. وقد اعتمدت على تلك النتائج نظريات وعلاجات وتوصيات معينة.
ومع ذلك، لم يكن لدينا الصورة الكاملة، حيث كان هناك عنصر بالغ الأهمية لم يتم التطرق إليه مسبقاً. ومن هنا، انطلق البحث الذي نُشر في مجلة Cell Host & Microbe في عام 2026 والذي يسأل: ما هو الجزء الذي كان يتم تجاهله؟ وهل يمكن أن تلعب الفيروسات الموجودة في الأمعاء دوراً مباشراً في تنظيم امتصاص السكر؟
الأمعاء ليست مجرد عضو مسؤول عن عملية الهضم، بل هي نظام حيوي شامل يحتوي على مجتمع ميكروبي متنوع يتألف من بكتيريا وفطريات وڤيروسات. الجزء الذي لم يتم الحديث عنه كثيراً هو ما يعرف بـ virome، الذي يشير إلى جميع الفيروسات التي توجد بشكل طبيعي في الأمعاء. تُعتبر الأمعاء أكبر مخزن للفيروسات في الجسم، حيث يمكن أن يكون عدد الفيروسات فيها مماثلاً أو حتى أكبر من عدد البكتيريا، و97٪ منها تقريباً عبارة عن bacteriophages، أي أنها فيروسات تستهدف البكتيريا وتتحكم فيها، مما يؤثر على تكوين المجتمع الميكروبي.
مع ذلك، قد تم استبعاد virome، والذي يعني المجتمع الفيروسي، من النقاشات عن السكري والأيض لفترة طويلة. ولكن في هذا البحث الجديد، قرر العلماء إثبات لأول مرة أن virome له تأثير مستقل وحقيقي على امتصاص الكربوهيدرات بدون الحاجة لتدخل من البكتيريا.
الأكثر أهمية هو أن الباحثين تمكنوا من فهم الآلية بشكل مفصل، حيث إن الفيروسات تتفاعل مع الجهاز المناعي، الذي بدوره يتفاعل مع خلايا الأمعاء، مما يؤدي إلى تأثير مباشر على مستويات السكر في الدم. لذا، فإن المعادلة التي كنا نعتقدها حول الأمعاء ومرض السكري قد تغيرت: ليس فقط البكتيريا لها تأثير على الأيض، بل أيضاً الفيروسات المتواجدة في الأمعاء لها دور مستقل ومهم.
ما هي الآلية التي تحدث بها هذه التأثيرات؟ وكيف تؤثر الفيروسات على معدلات امتصاص السكر في الدم؟ الاكتشافات التي توصل إليها البحث توضح مسارًا مفصلاً يشرح بكيفية حدوث هذه التأثيرات داخل الجسم.
بدأت الصورة تتضح عندما لوحظ أن الفيروسات بمجرد دخولها الأمعاء، لا يتجاهلها الجسم. هنالك خلايا مناعية متخصصة تُعرف باسم antigen presenting cells، تعمل على مراقبة جميع المواد الداخلة إلى الأمعاء وتحدد كيفية استجابة الجسم تجاهها. هذه الخلايا رصدت الفيروسات وقامت بالتقاطها.
لكن الأهم هو أن هذه الخلايا المناعية لم تلتقط الفيروس بالكامل، بل اقتصرت على التقاط الـ capsid، وهو الغلاف البروتيني الخارجي للفيروس، والذي يعتبره الجسم بمثابة مستضد بروتيني، تماماً كما يتعامل مع أي جزء من مسبب مرض غريب. لذلك، قررت الخلية المناعية أن تقدم هذا الغلاف إلى الجهاز المناعي وتطلب منه اتخاذ إجراء.
الخطوة التالية كانت أن الخلية المناعية أنتجت مادة كيميائية تُعرف باسم IL-23. هذه المادة تُرسل إلى نوع خاص من خلايا التائية يُدعى Th17، والتي توجد في الأمعاء وتلعب دوراً كبيراً في إدارة الاستجابة المناعية في هذه المنطقة تحديداً.
عندما استلمت خلايا Th17 الرسالة، استجابت بإنتاج مادة أخرى تُعرف باسم IL-22، والتي تتواصل مباشرة مع خلايا الأمعاء.
هنا يظهر الجزء الأكثر أهمية في تلك المسيرة: عندما تستقبل خلايا الأمعاء IL-22، فإنها تتناقص من نشاط الجينات المسؤولة عن هضم الكربوهيدرات وامتصاصها. ما يعني أن الأمعاء تمتص كميات أقل من الكربوهيدرات، وبالتالي كمية أقل من السكر تدخل إلى مجرى الدم.
إذا أردنا تلخيص هذا المسار في خطوات محددة، يمكننا القول أن:
- يبدأ الفيروس بالدخول إلى الأمعاء.
- تقوم الخلايا المناعية بالتفاعل مع الكابسيد الخاص به.
- هذه الخلايا المناعية تبدأ بإنتاج IL-23.
- يتم تحفيز خلايا Th17 بواسطة IL-23.
- تقوم خلايا Th17 بإصدار IL-22.
- يعمل IL-22 على تثبيط خلايا الأمعاء ويقلل من امتصاص الكربوهيدرات.
- النتيجة النهائية هي: انخفاض مستوى السكر في الدم.
ما يجعل هذا الموضوع أكثر إثارة هو أن هذا المسار لم يكن معروفاً قبل هذا البحث.
كنا على علم بتأثير IL-22 على الأمعاء، وكنا نعرف عن وجود خلايا Th17، ولكن لم يكن أحد يدرك أن الفيروسات المتواجدة بشكل طبيعي في أمعائنا هي المسؤولة عن تحفيز وتنظيم هذا المسار.
الأهم من ذلك، أن البحث أظهر أنه عندما تقل الفيروسات، يضعف هذا المسار، مما يؤدي إلى زيادة امتصاص الكربوهيدرات في الأمعاء وارتفاع مستوى السكر في الدم.
إذاً، الفيروسات ليست مجرد مكون موجود في الأمعاء، بل تلعب دوراً حاسماً في النظام المسؤول عن تنظيم مستوى السكر.
هل يمكن أن تكون هناك آلية مشابهة لدى البشر؟
فيما يتعلق بالبشر، هناك نقطتان هامتان في الوقت الحالي: - حتى الآن، أجريت جميع التجارب على الفئران وخلايا الأمعاء البشرية التي زرعت في المختبر. وقد أظهرت النتائج من الخلايا البشرية المختبرية تشابهًا كبيرًا مع نتائج الفئران، مما يعد مؤشراً قوياً على وجود هذا المسار في البشر أيضاً.
- بالنسبة للتجارب العملية على البشر، لا يزال أحد لم يقم بتجربة إدخال الفيروسات أو تحفيز هذا المسار مباشرة على المرضى. وهذا يتطلب دراسات أمان دقيقة جداً، حيث إن أي تغيير في التوازن الفيروسي أو الجهاز المناعي في الأمعاء قد يؤدي إلى آثار غير متوقعة.
أعتقد أن الأبحاث المستقبلية ستركز على دراسة العلاقة بين الفيروم الطبيعي ومعدل السكر لدى البشر، مثل متابعة الأشخاص الذين لديهم اختلافات طبيعية في الفيروسات المعوية، قبل القيام بأي تدخل مباشر.
بعبارة أخرى، يمكن القول إن هذه الآلية تعمل بشكل نظري عند البشر، لكن التجارب المباشرة على البشر لم تُنفذ بعد لأسباب تتعلق بالسلامة والأخلاقيات.
في نهاية المطاف، يدفعنا هذا البحث للتفكير بصورة جديدة تماماً حول العلاقة بين الأمعاء والسكري.
الفيكوس الطبيعية المتواجدة في أمعائنا ليست مجرد زوار غير مهمين، بل هي عنصر نشط في النظام الذي يحافظ على توازن الجسم.
خفض امتصاص الكربوهيدرات ليس مسألة عشوائية، بل هو وسيلة طبيعية يستخدمها الجسم لمنع ارتفاع مفاجئ في السكر في الدم، وهو ما قد يؤثر على البنكرياس والطاقة المتاحة للخلايا.
بعبارة أخرى، تلعب الفيروسات دور الحماية للجسم ضد الارتفاع المفاجئ في مستوى السكر وتحافظ على الاستقرار الأيضي على المدى البعيد.
على الرغم من أن الدراسة أجريت على الفئران وخلايا بشرية في المختبر، إلا أنها فتحت أفقًا جديدًا لفهم دور الفيروم في تنظيم الأيض.
وتظهر لنا هذه الآلية أن التحكم في مستويات السكر ليس مسؤولية البكتيريا فقط، بل إن للفيروسات الطبيعية دور تنظيمي مباشر أيضاً، مما قد يغير الطريقة التي نفكر بها في علاج أو الوقاية من السكري في المستقبل. - أستاذ فسيولوجيا النبات و رئيس القسم النبات كلية العلوم جامعة الفيوم










