في إطار اهتمام المراكز البحثية بالتطورات المُتلاحقة للحرب في الخليج، دعاني المجلس المصري للشؤون الخارجية للمشاركة في الندوة التي نظمها يوم 26 مارس 2026 عن التداعيات الإقليمية والدولية للحرب. وكان دوري التعليق على البحوث وإدارة مناقشات الجلسة الأولى عن التداعيات الإقليمية، والتي شارك فيها د. حسن أبو طالب، والسفير د. محمد بدر الدين زايد، ود. محمد عبد المحسن أبو النور.
بدأت أولًا بطرح قضية منهجية، وهي أننا نبحث في تداعيات حرب ما زالت تدور رُحاها، ومن الصعب للغاية في ضوء تلاحق الأحداث التعرض بشكل دقيق لمتى تنتهي هذه الحرب وكيف؟ وذلك بحكم أن تداعيات الحرب وآثارها تتحددُ وفقا للشكل الذي سوف تنتهي عليه والتوازن الإقليمي الذي يخلفها.
ومع ذلك، فمن الممكن الآن الحديث عن بعض التداعيات التي حدثت بالفعل فيما يتعلق بالوضع الداخلي بإيران ودورها الإقليمي، والتأثير على القضية الفلسطينية، وعلاقات إيران بدول مجلس التعاون الخليجي.
فإذا بدأنا بإيران التي فقدت عددًا كبيرًا من قيادات الصف الأول والثاني على المستويين السياسي والعسكري، وتتعرض قدراتها العسكرية والتصنيعية وبنيتها التحتية لتدمير كبير، فإنه من الأرجح إنه في حالة استمرار النظام القائم أن يعطي الأولوية بعد الحرب للجبهة الداخلية، وإعادة البناء، والمحافظة على استمراره.
لا شك أن اختفاء القيادات الكبيرة سوف يكون له آثاره بعد انتهاء الحرب، وسوف تدخل القيادة الجديدة التي يسيطر عليها الحرس الثوري امتحان القدرة على الحفاظ على تماسك النظام ومساندة المجتمع له. فإذا كانت الحروب تؤدي عادة إلى التضامن الوطني في ظل هجوم عسكري خارجي، فإن مرحلة ما بعد الحرب لها حسابات أخرى، وقد تحدث ضغوط واحتجاجات شعبية بسبب الأوضاع المعيشية. وإذا ما استنزفت الحرب قدرات إيران المالية والعسكرية، فإن قدرتها على دعم الوكلاء والحلفاء سوف تقل، ويؤثر ذلك على دورها الإقليمي. أما إذا سقط النظام بفعل قوة النيران الأمريكية الإسرائيلية، فسوف يتوقف الأمر على شكل النظام الجديد، وقد تدخُل البلاد والمنطقة في حالة فوضى وعدم استقرار لفترة.
أدت الحرب إلى توجيه اهتمام دول الإقليم والعالم بمجرياتها، وذلك على حساب القضية الفلسطينية. طغت أخبار حرب الخليج وأزمة مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة العالمية على الزخم الدبلوماسي والإعلامي الذي تمتعت به القضية الفلسطينية حتى نهاية عام 2025، مما أعطى لحكومة نتنياهو الغطاء لتشديد قبضتها على غزة والضفة الغربية. لقد نشأت فرصة استراتيجية لإسرائيل لتحقيق أهدافها في الأراضي الفلسطينية المحتلة بقدر أقل من الضغوط والمتابعة الدولية. فأغلقت أغلب المعابر التي كانت تستخدم لنقل المساعدات الإنسانية، واستمرت الضربات الجوبة ضد بعض المناطق في غزة، وعطلت كل مسار لإعادة الإعمار. وفي الضفة الغربية، تزايدت هجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين، وفرضت قيود صارمة على تحركهم من خلال إغلاق الطرق وإقامة الحواجز، وتسريع الاستيطان في الأراضي الشاسعة التي اعتبرتها الحكومة أملاك دولة في فبراير 2026. إضافة إلى، تكثيف العمليات العسكرية واستمرار المداهمات والاعتقالات في قرى الضفة.
أما عن تداعيات الحرب على دول مجلس التعاون وعلاقتها بإيران، فإنه يثير العديد من الموضوعات. منها مثلا، الدروس التي سوف تستخلصها هذه الدول بشأن الاستراتيجية الأكثر قدرة على توفير الأمن لها، وقد ناقشت هذا الموضوع في مقالي بتاريخ 5 أبريل.
أما عن العلاقات مع إيران، فقد أصيبت بتصدع هائل بعد أن سارت في فترة عامي 2023-2025 نحو التهدئة، وخاصة بعد الوساطة الصينية لعودة العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران في مارس 2023.
فقد أدى استهداف إيران للمنشآت الاقتصادية الحيوية الخليجية، إلى حالة احتقان رسمي وشعبي ضد إيران، ونظر قطاع واسع في أغلب دول الخليج إلى إيران كمصدر تهديد مباشر، وأن سياساتها تمثل خطرا وجوديا عليها. وفي هذا السياق، ظهرت ثلاثة توجهات كبرى: الأول يطرح أهمية الدفاع الخليجي المشترك، والثاني تطوير الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية واحتمال مشاركة بعض الدول الأوروبية، والثالث بناء شراكات وتحالفات إقليمية يمكن أن تشارك فيها باكستان ومصر وتركيا.
في ظروف الحرب، تعلو نبرات الغضب والانتقاد للآخرين وتظهر أفكار تحتاج إلى مراجعة بعد أن تسكت المدافع. فأي كانت نتيجة الحرب وشكل النظام السياسي في إيران، تظل إيران دولة إقليمية جارة لدولة الخليج، لها حدود برية تبلغ أكثر من 1450 كيلو متر وحدود بحرية في شط العرب مع العراق. ولها حدود بحرية مع كل دول مجلس التعاون، وتشارك قطر في ملكية أكبر حقل غاز في العالم وهو حقل الشمال/ بارس، وتحتل ثلاثة جزر إماراتية من عام 1971، كما تشارك سلطنة عمان في السيطرة على مضيق هرمز مما يوجد علاقة تعاون استراتيجي بين البلدين.
إن هذه الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وهي أول حرب مشتركة علنية بين البلدين على مستوى التخطيط والتنفيذ، وكذلك حروب إسرائيل ضد غزة ولبنان وسوريا، تشير إلى عملية إعادة هندسة منطقة الشرق الأوسط. يثور السؤال بشأن ما هي الدروس التي سوف يستخلصها قادة إيران من هذه الحرب وتوجهاتهم المستقبلية تجاه جيرانهم والعالم؟ واتصالا بذلك، ما هي الدروس التي سوف يستخلصها قادة دول الخليج، وما يمكن أن تقود إليه من سياسات ومواقف؟
في كل الأحوال، يبقى التهديد الإيراني لدول الخليج أمر مرفوض، ولا بد أن تعيش شعوبه من مواطنين ومُقيمين في منعة وأمن بعيدا عن الخطر والتهديد، وأن تكون هناك عقول خليجية تفكر في الأجل الطويل وتنطلق من الحقائق الموضوعية في مجال السياسة والاقتصاد والجغرافيا، وأن تتبع استراتيجية الأمن القومي التي تُحقق أمن هذه الدول واستقرارها وتصون استقلالها، وأن يكون أمن الخليج كما سجلت وثائق مجلس التعاون في سنواته الأولى، مُرتبطًا بالأمن العربي.
الهُدنة التي تم الإعلان عنها في 8 أبريل هي بالتأكيد أمر إيجابي، ومُرحب به، ولكنها لا تعني ضمان نهاية الحرب، والعالم ينتظر ويترقب.










