عارف يعني إيه تضرب عصفورين بحجر؟ البحث ده عمل كدة وأكتر.. هو حرفياً مسك “إزازة بلاستيك” من الزبالة وطلع منها “دواء لمرض باركنسون”!
دي مش خيالات، ده بحث حقيقي اتنشر في مجلة Nature Sustainability، وببساطة هو حل عبقري لمشكلتين بيزيدوا كل يوم: كابوس البلاستيك اللي مالي الكوكب، ونقص دواء الـ Levodopa اللي بيحتاجه مرضى شلل الرعاش (Parkinson).
تعالوا نبسط الحكاية ونشوف “الطبخة” دي حصلت إزاي:
الحكاية من أولها: ليه وجع الدماغ ده كله؟
العالم غرقان في بلاستيك الـ PET، والحلول التقليدية يا إما ندفنه (وده بيلوث التربة) يا إما نحرقه (وده بيلوث الجو). في الناحية التانية، مرضى “باركنسون” (شلل الرعاش) بيزيدوا، والدواء الأساسي بتاعهم L-DOPA بيتعمل من مشتقات البترول.. يعني بنعالج مشكلة صحية بمواد بتزود التلوث أصلاً!
هنا جت فكرة البحث: “بدل ما البلاستيك يروح للبحر، ما يروح للصيدلية؟”
المطبخ الحيوي: إزاي الطبخة دي استوت؟
- مرحلة “التكسير” (التحضير الكيميائي)
البلاستيك ده عبارة عن “سلسلة” طويلة ومعقدة. أول خطوة هي إننا بنجيب كيماويات “تفك” السلسلة دي لوحدات صغيرة. أهم وحدة فيهم هي مادة اسمها TPA. المادة دي صلبة ورخمة والبكتيريا مابتعرفش تهضمها بسهولة، فكان لازم نلاقي لها “سكة” تدخل بيها جوه المصنع. - البكتيريا “المهندسة”: المصنع اللي مابينامش
الباحثين جابوا بكتيريا E. coli (اللي موجودة في أمعائنا عادي) وعملوا لها “تعديل وراثي” شامل. ركبوا لها جينات من بكتيريا تانية خالص عشان تخليها تقدر:
تفتح “بوابات” في غشائها (عن طريق بروتين اسمه TpaK) عشان تسحب مادة البلاستيك لجوه.
تفرز إنزيمات معينة تقعد “تقصقص” في مادة البلاستيك دي وتغير شكلها خطوة بخطوة. - خطة “توزيع المهام” (الذكاء في التنفيذ)
هنا بقى الصياعة في البحث. لما الباحثين خلوا بكتيريا واحدة تعمل كل حاجة، المصنع وقف! ليه؟ لأن المواد اللي بتنتج في النص كانت “تُقيلة” على البكتيريا وبتسممها.
الحل العبقري: عملوا نظام “الورديات” أو Division of Labor.
السلالة الأولى: شغلتها بس تاخد البلاستيك وتحوله لمادة اسمها Catechol، وتسيبها في الوسط وتنسحب.
السلالة الثانية: تدخل بعد 24 ساعة، “تشفط” الـ Catechol ده وتعمل عليه آخر تعديل كيميائي عشان تطلعه في الآخر L-DOPA نقي بنسبة 84%.
مش بس دواء.. ده مصنع صديق للبيئة 100%
في العادة، أي تفاعل كيميائي بيطلع غازات ضارة زي ثاني أكسيد الكربون (CO2). البحث ده بقى “قفل الدايرة” تماماً:
جابوا طحالب خضراء وحطوها مع البكتيريا.
الطحالب دي كانت بتاخد الـ CO2 اللي طالع من البكتيريا وتتغذى عليه وتعمل بناء ضوئي.
النتيجة: بدل ما الغاز يلوث الجو، اتحول لـ “كتلة حيوية” مفيدة (Biomass) ممكن تستخدم كأسمدة أو وقود حيوي.
الأرقام بتقول إيه؟ (ليه العلماء متحمسين؟)
الإنتاجية: وصلوا لـ 5 جرام دواء لكل لتر، وده رقم “عملاق” في المعامل البيولوجية.
التكلفة: إنت بتستخدم “زبالة” كمادة خام، يعني تكلفة المكونات تقريباً صفر مقارنة بالبترول.
الاستدامة: إنت حرفياً طبقت مفهوم Circular Bioeconomy (الاقتصاد الحيوي الدائري)؛ يعني المورد اللي كان هينتهي به الحال كنفايات، رجع تاني للدورة الاقتصادية كمنتج غالي الثمن.
إحنا فين دلوقتي؟ وهل ده في الصيدليات؟
البحث ده حالياً في مرحلة Proof of Concept (إثبات الفكرة). يعني العلماء أثبتوا إن “المكنة طلعت قماش”، لكن لسه قدامنا كام سنة عشان:
نتأكد إن الدواء اللي طالع من البلاستيك نقي 100% وخالي من أي شوائب كيميائية.
نكبر المصنع ده من “مخبر” صغير لمصانع ضخمة تقدر تنتج الـ 250 طن اللي العالم بيحتاجهم كل سنة.
تخيل في المستقبل، إزازة المية اللي في إيدك دي ممكن تكون هي السبب في علاج إنسان وتطهير المحيط في نفس الوقت. تفتكر إيه المواد التانية اللي بنرميها وممكن نطلع منها أدوية؟
أستاذ فسيولوجيا النبات و رئيس القسم النبات كلية العلوم جامعة الفيوم










