اضطرابات “النواة الزرقاء” .. تسبب الخلل العصبي والنفسي .. !!
كتبت – فاطمة عادل
لا يقتصر دور النوم العميق على الشعور بالراحة فحسب، بل يُعيد بناء الجسم بنشاط، فيُقوي العضلات، ويدعم نمو العظام، ويُساعد على حرق الدهون. بالنسبة للمراهقين، ويُعدّ النوم ضروريًا أيضًا لبلوغ أقصى طول ممكن.
ويُعتبر هرمون النمو محور كل هذا، إذ يرتفع مستواه بشكل ملحوظ أثناء النوم. لكن سبب انخفاض مستويات هذا الهرمون الحيوي نتيجة قلة النوم، طالما حير العلماء وخاصةً المرحلة العميقة المبكرة المعروفة بنوم حركة العين غير السريعة (NREM).
الباحثون في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، توصلوا للإجابة. ففي دراسة نشرتها مجلةCell، رسموا خريطة للدوائر الدماغية التي تتحكم في إفراز هرمون النمو أثناء النوم، وحددوا نظام تغذية راجعة جديدًا يحافظ على توازن مستويات هذا الهرمون.
يُقدّم الاكتشاف فهمًا أوضح لكيفية عمل النوم والهرمونات معًا. وقد يفتح الباب أمام علاجات جديدة لاضطرابات النوم المرتبطة بأمراض التمثيل الغذائي مثل السكري، بالإضافة إلى حالات عصبية مثل باركنسون وألزهايمر.
“يعلم الكثيرون أن إفراز هرمون النمو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنوم، وذلك من خلال سحب عينات الدم وفحص مستويات هذا الهرمون أثناء النوم”، هذا ما قالته شينلو دينج، الباحثة الرئيسية في الدراسة، وهي زميلة ما بعد الدكتوراه بقسم علم الأعصاب جامعة كاليفورنيا في بيركلي ومعهد هيلين ويلز لعلوم الأعصاب. “نحن نسجل النشاط العصبي مباشرةً في الفئران لنرى ما يحدث. كما نوفر دائرة أساسية للعمل عليها في المستقبل لتطوير علاجات مختلفة.”
لا يقتصر تأثير قلة النوم على الشعور بالتعب فقط. فنظرًا لأن هرمون النمو يساعد في تنظيم كيفية معالجة الجسم للسكر والدهون، فإن قلة النوم يمكن أن تزيد من خطر الإصابة بالسمنة والسكري وأمراض القلب.
يقع النظام المسؤول عن هذه العملية في عمق منطقة ما تحت المهاد، وهي جزء قديم من الدماغ مشترك بين جميع الثدييات. في هذه المنطقة، تطلق خلايا عصبية متخصصة إشارات تحفز أو تثبط إفراز هرمون النمو، حجسبما ذكر تقرير على موقع ساينس ديلي.
هناك عاملان رئيسيان يؤثران على هرمون النمو وهما هرمون إطلاق هرمون النمو (GHRH) ، الذي يحفز إفرازه، بينما يثبطه هرمون السوماتوستاتين. ويعمل هذان الهرمونان معًا على تنسيق نشاط الهرمونات خلال دورة النوم والاستيقاظ. بمجرد دخول هرمون النمو إلى الجسم، يُنشّط النواة الزرقاء، وهي منطقة في جذع الدماغ تتحكم في اليقظة والانتباه والوظائف الإدراكية. وترتبط اضطرابات هذه المنطقة بمجموعة واسعة من الاختلالات العصبية والنفسية.
يقول دانيال سيلفرمان، زميل ما بعد الدكتوراه بجامعة كاليفورنيا، بيركلي، والمشارك في الدراسة: “إن فهم الدائرة العصبية المسؤولة عن إفراز هرمون النمو قد يُسهم في تطوير علاجات هرمونية جديدة لتحسين جودة النوم أو استعادة التوازن الطبيعي لهرمون النمو. كما أن هناك علاجات جينية تجريبية تستهدف نوعًا محددًا من الخلايا. وقد تُشكّل هذه الدائرة وسيلة جديدة لمحاولة كبح استثارة النواة الزرقاء، وهو أمر لم يُناقش من قبل”.
لدراسة هذا النظام، سجّل الباحثون نشاط الدماغ لدى الفئران عن طريق زرع أقطاب كهربائية وتحفيز الخلايا العصبية بالضوء. ولأن الفئران تنام على فترات قصيرة خلال النهار والليل، فقد وفّرت هذه الدراسة رؤية تفصيلية لكيفية تغيّر هرمون النمو خلال مراحل النوم. وجد الفريق أن هرمون إطلاق هرمون النمو (GHRH) والسوماتوستاتين يتصرفان بشكل مختلف تبعًا لمرحلة نوم حركة العين السريعة (REM) أو النوم غير المصحوب بحركة العين السريعة (non-REM).
خلال مرحلة نوم حركة العين السريعة، يرتفع مستوى كلا الهرمونين، مما يؤدي إلى زيادة مفاجئة في هرمون النمو. أما خلال مرحلة النوم غير المصحوب بحركة العين السريعة، فينخفض مستوى السوماتوستاتين بينما يرتفع مستوى هرمون إطلاق هرمون النمو بشكل طفيف، مما يؤدي إلى زيادة مستويات الهرمون ولكن بنمط مختلف.
كشف الباحثون أيضًا عن حلقة تغذية راجعة تربط هرمون النمو باليقظة. فمع استمرار النوم، يتراكم هرمون النمو تدريجيًا ويحفز النواة الزرقاء، فيدفع الدماغ نحو اليقظة.
لكن ثمة مفارقة. فعندما تصبح هذه المنطقة الدماغية نشطة للغاية، قد تؤدي في الواقع إلى الشعور بالنعاس، مما يخلق توازنًا دقيقًا بين النوم واليقظة.
يشير هذا إلى أن النوم وهرمون النمو يشكلان نظامًا متوازنًا بدقة: فقلة النوم تقلل من إفراز هرمون النمو، بينما قد يؤدي ارتفاعه إلى زيادة اليقظة، كما أوضح سيلفرمان. وأضاف: “يحفز النوم إفراز هرمون النمو، الذي بدوره ينظم اليقظة، وهذا التوازن ضروري للنمو والترميم والصحة الأيضية”.
لا يقتصر تأثير هذا التوازن على النمو البدني فحسب، بل إن هرمون النمو، نظرًا لعمله عبر أنظمة الدماغ المسؤولة عن اليقظة، قد يؤثر أيضًا على صفاء الذهن والتركيز.
يقول دينج: “لا يساعد هرمون النمو على بناء العضلات والعظام وتقليل الدهون فحسب، بل قد يكون له فوائد معرفية أيضًا، إذ يعزز مستوى التركيز عند الاستيقاظ”.









