ليست الأوطان بنايات شامخة أو أرصدة متخمة، بل هى عرق يتصبب على جبين فلاح، وشرارة تتطاير من معول عامل، فعندما يصمت الضجيج وتتوارى الألقاب البراقة خلف ستار الزمن، يبقى صوت واحد يهدر فى شريان الوطن. إنه صوت العامل ذلك الجندى المجهول الذى ينسج من خيوط الشمس ثوب الحضارة، ففى الأول من مايو ننحنى إجلالا أمام ملحمة يومية يكتبها الكادحون بعرقهم، فيتحول العرق إلى حبر، والسنين إلى صفحات من مجد لا يزول، فى الأول من مايو لا نحتفل بذكرى عابرة، بل نؤرخ فلسفة الوجود المصرى ذاتها، فلسفة الأرض التى لا تخون من يفلحها، والحديد الذى لا يلين إلا لمن يروضه، إن العلاقة بين العامل والفلاح فى مصر ليست علاقة تكامل أقتصادى فحسب، بل هى وحدة وجودية، فالفلاح هو جذر الأمة الضارب فى الأرض، والعامل هو ساقها الشامخ نحو السماء فلا ساق بلا جذر، ولا حضارة بلا خبز، الفلاح يحاور الأرض فيصغى له النيل، والعامل يزأر فى وجه الحديد فينحنى له طائعا. كلاهما يصارع الطبيعة فيروضها، ويصافح المستحيل فيقهره، فقرهما غنى للوطن، وجوعهما شبع للأمة..والتاريخ المصرى شاهد لا يكذب فحين صرخت الأرض فى عام ١٩١٩م كان الفلاح أول من لبى النداء فأغلق ساقيته وحمل فأسه ليكسر قيود الأحتلال، وحين عطش الوطن فى عام ١٩٥٦ م، كان العامل هو من أدار عجلة التأميم فى القناة، وحولها من شركة أجنبية إلى شريان مصرى خالص، وفى الستينات، كان ٥٤% من المصريين فلاحين، انتجوا ما يكفى لإطعام ٣٠ مليون نسمة، وبنوا مع العمال ١٢٠٠ مصنع فى ١٠ سنوات فقط. مشروع السد العالى وحده أبتلع عرق ٣٤ ألف عامل وفلاح، مات منهم ٤٥١ شهيدا وهم ينحتون الصخر ليمنحوا مصر. كهرباء وماء وحياة. وحتى فى العبور العظيم ١٩٧٣م، كان خلف كل جندى يعبر فلاح يزرع له القمح، وعامل يصنع له السلاح. فمعركة البناء لا تقل قداسة عن معركة السلاح، وكلتاهما تستعير زنادها من زنود الكادحين، إن المفكر الحقيقى يدرك أن نهضة الأمم لا تشترى من بورصات العالم، بل تنتزع من قبضة الأرض والمخرطة. وكل نظرية أقتصادية لا تبدأ من أنين المحراث وصليل المطرقة هى نظرية عرجاء، فالتاريخ يكتبه المنتصرون، لكن الخبز يصنعه الكادحون، ونحن نتذكر دائما أن أول حرف خطه الإنسان كان على لوح من طين، وأول نار أوقدها كانت فى كير حداد، فلا معنى لوطن تلمع فيه القصور وتعتم فيه الأكواخ، ولا قيمة لتقدم يقصى من صنعه، فليكن أول مايو وقفه مع الذات: هل اعطينا ملح الأرض وحديدها حقهما؟ أم أننا ما زلنا نكتب عنهم ولا نكتب لهم، فالمجد للسنابل التى تنحنى تواضعا وهى تحمل القمح، والمجد للسواعد التى تحترق لتضىء .فهما معا قمح الوطن وسيفه.
إذن عيد العمال مناسبة تعيد الاعتبار لأصحاب السواعد والعقول أولئك الذين يبنون ويزرعون ويصنعون الحياة، وهو اليوم الذي يتجاوز في رمزيته فكرة الاحتفال إلى التأمل في قيمة العمل ودوره المحوري في صياغة مستقبل الأمم.
فمن المصانع إلى الحقول ومن المكاتب إلى الورش تنسج أيادي العمال خريطة التقدم الإنساني فكل حضارة عريقة قامت على أكتاف عمال مخلصين وكل اقتصاد قوي استند إلى ثقافة تحترم الجهد وتكافئ الإبداع.
ولأن الجهود لا تتساوى والإنجازات لا تتشابه فإن هذا اليوم هو لمن عمل أكثر وأعطى بسخاء أكبر واجتهد في تطوير مهاراته وتفانى في أداء مسؤولياته، هو يوم مبارك لمن جعل من عمله رسالة قبل أن يكون وظيفة فالإنجاز لا يقاس بطول الساعات، بل بعمق الأثر الذي يتركه في حياة الناس وفي مسيرة الأوطان.
وفي أيامنا هذه تزداد الحاجة إلى استعادة قيمة العمل المنتج في زمن تتغير فيه معايير النجاح، فلم يعد معيار التقدم يقاس بحجم الناتج المحلي أو معدلات النمو فقط، بل بمدى الاستثمار في الإنسان وتأمين بيئات عمل عادلة ومحفزة للابتكار والتميز.
يوم العمال يفتح أيضا نافذة على تحديات معاصرة من تراجع حقوق العمال في بعض القطاعات إلى التفاوت في الفرص والضمانات مرورا بضرورة تطوير التشريعات التي تضمن بيئة عمل لائقة تحفظ كرامة الإنسان وتحفز طاقاته.
وأقول في يومنا “يوم العمال”، تتجدد الدعوة إلى تعزيز ثقافة احترام العمل كقيمة عليا وإلى تكريس مفاهيم الإخلاص والإتقان والعدالة الاجتماعية فالأمم التي تجعل من العمل رسالة لا مجرد وسيلة للعيش هي التي تؤسس لنهضة مستدامة تعبر الأجيال.
وليس هناك أبلغ من أن نقول لكل يد تعمل وتبني وتبتكر وتعلم وتداوي أنتم حجر الأساس الذي تقوم عليه الأوطان وكل تقدير يقدم اليوم هو أقل مما تستحقه الجهود التي تبني بلا ضجيج وتؤمن بأن المستقبل يصنعه بذل الجهد قبل الشعارات.










