قراءة في المجموعة القصصية (وصيتي للبحر )
في مقدمته لكتاب واقعية بلا ضفاف لجارودي؛يقول الشاعر الفرنسي الكبير (أراجون): "إن معركة حياتي تتلخص في التعبيرعن أشياء خارج كياني سبقتني إلى هذا العالم،وستظل بعد أن أتوارى عنه،وهذا ما تسميه اللغة المجردة الواقعية..(1)
ربما يتكامل هذا مع ماعبّر عنه الكاتب يسري ا لجندي في كتابه التراجديا والثورة الأبدية بقوله:”يمكننا أن نقر مبدئيا حين نبحث عن منطلق ،أن اللغة هي الكيفية الوحيدة القادرة كبداية على عبور الهوة القائمة.ويمكن أن نقول :إن اللغة في حد ذاتها مشكلة إذ إن بكارتها التي تجعلها في نطاق كيفيات الفن،هي أمر لم يعد قائما، خاصة بعدما أخضعت للمستوى الموضوعي للحياة-بل وغدت من وسائل العزل الداخلي بين الفرد والعالم والآخرين.وإذ نقول هذا فنحن بالفعل أمام محاولة تحاول أن تعيد اللغة إلى مهدها…(2)
إن هذه هي بعض الإشكاليات التي تضعنا أمامها المجموعة بقصصها التسع ،وإهدائها ،وعنوانِها…إذ تضعنا في مواجهة لغة واقعية لكنها لا تصف الواقع وصفا نقليا يضعها ويضعه في السياق المباشر للألفاظ..إنها الوافعية السحرية أحيانا…والرمزية أحيانا..والتى قد يغلفها حسا رومنتيكيا إذا شاء الكاتب والمتعددة الدلالات في أحايين كثيرة ،والتي تبني عالما يعبر عن موقف الكاتب من الحياة والفن
أوكما يقول ماتيوس :” إنها مأساة المفردات”(3)
إن أول ما سيقابلك العنوان(وصيتي للبحر)،وقد تأخذه على معناه الحرفي وتدخل عابرا كل المجموعة لكنك في النهاية ستجدك عدت لمواجهته مرة أخرى،فكلمة (وصية)المشتقة من أوصىى إنما تأتي من عاقل لعاقل بتكليف يرجو تنفيذه..فما معنى أن توصى البحر ،هذا الكيان الغير عاقل..والغير قابل للتكليف..؟إنك ستجدك دخلت إلى عالم التأويل مرغما،خاصة أن مفردة بحر بما تحمله من تناقضات دلاالية..يمكن أن تصير معادلا موضوعيا لمتماثلات عديدة.لكنك ستتسلح بما احتويته أو احتواك وأنت تطالع المجموعة حين عبرتها،قبل أن تسأل هل البحر فعلا هو البحر الحقيقي،والذي يمكن لموجه نقل الرسائل كما يمكن لقاعه وعالمه اللا محدود المضطرب أن تتلاشى فيهما الرسائل …؟
هل البحر هو العالم على اليابسة ،والذي تحول بفعل حياة قاسية إلى بحار شاسعة بعدد قضاياه وكائناته المتباينة تضيع فيها الأصوات ومعالم الإنسانية؟
هل البحر هو الكاتب نفسه،والذي يراه نبيا مغبونا كصاحب الحوت
،فيوصى نفسه بالراحة،بعد رحلة طويلة من الكفاح والعمل في حقول العلم والتنوير..هو وأمثاله؛وكل ما نتج ثورة أزاحت حاكما…”لكن شيئا لم يتغير..الفساد يعود بقوة ..”(4)
وهو يبرر لنفسه”إنها البيداء الشاسعة ،وبها بضعة نباتات تشق طريقها تجاه الشمس ..بعضها ضعيف وبعضها يتساقط”.(5)
قد يكون البحر كل هؤلاء.. وربما أشياء أخرى..لكن مما لا شك فيه أن الصفات الخاصة بالبحر عالما وأفعالا..ستجدها قد انخلعت على الحياة بصفة عامة وعلى الأشخاص والقضايا بصفة خاصة..وسنحاول رصد ملمحين من هذه الملامح من خلال قراءة المجموعة
أ) ظاهرة التلاشي والذوبان
كأنه اتفاق ضمني وقعه أبطال المجموعة فيما بينهم وهو خوض غمار بحر الذات وبحر الحياة حتى لو كان المقابل تلاشيهم وذوبانهم .وكأنهم رأوا فى هذا إحدى الحسنيين …إما خلاص أنفسهم،أو تذويب سكرهم ليحودوا بماء البحر قليلا عن ملوحته
ففي القصة الأولى تشكيلات الفراشة البنت ” التي كانت تبتسم فتمتلئ قاعة المطعم بموسيقى هادئة ؛هادرة؛صامتة تجذب الحاضرين لهذه الفراشة المتفردة.
حينما اشتد المدّ،وتسارعت الأمواج ضاربة الشاطئ، انفض المصطافون…تأتي حافية “(6)
لا تخشى هدير الموج لترقص مع الموج رقصة الموت أو رقصة الميلاد تعانقه على الشاطئ،ثم تكمل رقصتها مع البحر نفسه”تنهمر دموعها بشدة،فيفيض البحر….هي التي تبتسم فيبتسم من حولها…تنغلق على أحزانها وهي ترقص فوق الموج” (7)وكلما ازدات دموعها ازدات توغلا ليكتمل فيضان البحر في مشهد كأنه زفة كونية حتى “تزداد دموعها غزارة…وفي البعيد في وسط البحر في الأعمق،تأتى ابتسامتها التي تضيء له ،للكون خافتة ؛باهتة؛ وعلى شاطئ البحر يقذف الموج زهرة قرنفل وحيدة بنفسجية اللون”(8)..
وأظن أن التضاد واضح جدا بين ابتسامتين وقرنفلتين لكائن واحد انتقل من التعامل مع المطعم للتعامل مع البحر والموج والشاطئ..ولا يخفى ما لكل مفردة من دلالة موحية..
أما في قصة يصعد لأعلى،فالكاتب رصد التلاشي لفظيا بلا حاجة إلى استنباط “يكاد يتلاشى كقلم رصاص هكذا قال أحد المحققين؛نظروا إليه أعجبتهم الفكرة،هو الآن جسد نحيل طويل مثل القلم ..وتستمر مأساة هذا البطل حتى “قررأن يتخلص من جسده ويصعد لأعلى”(9) ..
ولا يعيش بلا حلم بعدما قروا استدعاء طبيب مخ وأحلام لاستئصال حلمه..
وهكذا يستمر تلاشي الأبطال فتتلاشى الفر اشة في البحر، ويتلاشى الحالم في القلم، ويتلاشى ظامئ الروح في السماء”كانت الأصوات المريدة تناديه في زا ويته،وكان هو يسرع الخطى،وينتظر بين لحظة وأخري جناحين من السماء”(10)
وتتلاشى الابتسامة حين تتلاشى القيم أمام أب يموت في المستشفى ..وأبناؤه يستعجلون موته بل يعتبرونه مات فعلا حتى أنه “كان أحدهم يمسك آلة حاسبة ليحسب الدولا رات عندما ينم تحويلها للمصري..وبدأ كل واحد يعلن عما يريده من تركة أبيهم..أحيانا يتفقون وأحيانا يختلفون،والأم تنظر إليهم بأسى شديد”(11)
ويستمر التلاشي ملاحقا كل الأشياء فتتلاشى الحكمة حتى تتحول إلى فنتازيا في قصة الموكب..وتتلاشى معاتي الكرامة والانتماء
في وصيتىي للبحر.ربما كان الشيء الوحيد الذي قاوم هو الحب الصادق. في عباد الشمس”أحيانا أحس بأني لا أطيقه، أود لو أقتله
لكني أتراجع فهل أقتل من تحبينه؟!”(12)
ب) ظاهرة التراجيدبا
هناك اتفاق شبه كامل على أن التراجيديا هي الأرسخ والأعمق في الإنسان والفن،فهي الأقدر على اجتلاء الأزمة الكلية في إطار من الحرية والمواجهة للحظات المأساوية للوجود. أو كما قيل:”إن الوجود الإنساني في المنبع، والواقع، والمصير…لا تتحقق مواجهته بأصالة إلا من خلال مقومات جدلية بشكل عام مأساوية بشكل خاص ولا فكاك من ذلك…………….
وذلك في النهاية هو التأكيد الفذ للإنسان في وجه العالم وأمام معنى وجوده،وقوام هذا الوجود ، ومصيره..بما يعني بإجمال حريته”(13)
إن سبعة على الأقل من أبطال مجموعة وصيتي للبحر للكاتب د/جمال التلاوي تمثلوا هذا الموقف حتى أن بعضهم اخطار الذوبان وتلاشى كموقف حر في مواجهة حياة تخطئ في حقه وحق نفسها.
والبعض لما يزل مستمرا في مواجهته،رغم أنه يعلم أنه لم يخطئ الخطأ التراجيدي الذي أخطأه أبطال الملاحم …..وربما كان هذا هو الفرق بين( أوديسبويس هيميروس) و(أوديسيوس جمال التلاوي)فالأول سب الآلهة فلعنته وتوهته في البحر…،أما الثاني وجد نفسه في مواجهة حياة مستحيلة إلا بالقرابين”كان الدخول مستحيلا إلا بالقرابين،…… سرت في مسالك مرعبة هناك عند سفح الجبل ،حيث الباب الضيق، والممرات المظلمة،والحيتان السبعة الرابضة عند الباب،ثم التنين العجيب ذو العين الواحدة، كان عليّ أن أصارع كل هؤلاء واحدا واحدا،ثم انتزع عين التنين الواحدة/وأدخل آتون الجحيم المتوهج…………….وعدت متطهرا”(14)هذا هو بطل عباد الشمس، والذي رغم كل ماقاسى وجد من ينقلب عليه وينتزع حلمه الذي كافح من أجله ولما يزل يكافح”لم يعد لدينا ما نحلم به الآن،فأحلامنا تتحقق بعد أن ظلت الصخرة تسقط كل مساء وأظل أرفعها وأرفع يدي منتصرا فتسقط لأعاود الكرة من جديد”(15)
إن التلاشي والذوبان اللذين تم رصدهما في مبحث سابق في المجموعة، لم يكن أحدهما موقفا سلبيا بقدر ما كان اختيار الأبطال في أشد اللحظات احتياجا للمواجهة والإحساس بالحربة.
فالفراشة التي زفت نفسها للبحر واستقبلها البحر بجوقته لم تكن غير ثائرة في ثورة ما، ناضلت حتى سقطت شهيدة في الميدان، يكشف لنا عن هذا التشكيل الرابع ،حيث عجوز هرم، من ذاكرة هرمة،يستدعي الشيء الوحيد الذي لم يسقط منها”يحاول أن يخرج صورة من حافظة قديمة…يتأمل الصورة.زحام الميدان.يسمع من الصورة هدير الأصوات (ارحل …ارحل) .يسمع طلقات الرصاص. يسمع تحذيراته لها بأن تتراجع للخلف.لكنها وهي تحمل العلم،كانت الدماء تنهمر منها.الصورة له،وهو يحاول أن يوقف نزيف الدم المختلط بوجهها،وعلم الوطن.”(16).
إنه نفس الاختيار والموقف للمتلاشي في الكلمة حتى صار قلما يرسم الأحلام فهو الذي اعتاد أن يواجه كل أنواع القهر بتوحده في أحلامه”اعتاد أن يواجه الاتهامات.اعتاد أن يقف في ركن الحجرة المظلم …حتى حين يكون في بيته.وجد نفسه مع كل اتهام ،أو تحقيق جسمه يصبح طويلا ونحيلا يكاد يتلاشى مثل قلم رصاص”(17)
وفي لحظة الاختيار اختار موت الجسد مقابل بقاء الحلم..حين كشفوا عن مصدر ألهامه”لقد ثبت أن المشكلة تكمن في أحلامه،لذا نأمر باستدعاء جراح مخ وأحلام .لتشريح مخه …وتفريغ مابه مع تقرير مفصل…”(18)
هنا كان الاختيار الوجودي الصعب بين الحلم والعقل الذي يميزانه كإنسان وبين الموت”قررأن يتخلص من جسده.ويصعد لأعلى”(19)
أما في قصة وصيتي للبحر والتي اختتم الكاتب بها مجموعته وأطلق عنوانها عليها ..سنجد ثلاثة قصص في قصة واحدة فأبطالها عجوز وشاب وهذه البنت الصغيرة الرقيقة،التي لا تعرف من هي،ومن أهلها/كل عالمها عجوز تجلس في كشك خشبي تتولى رعايتها ولا تمنحها جوابا شافيا عن ماهيتها..غير جوابها المعتاد “أنت ابنتي أحبيني كما أحبك” “تعد للصغيرة الشاي والقهوة…..والبنت بقدميها اللامعتين العاريتين المبللتين…….تعود سريعا يتكثر الموج على قدميها ، تعود بالشاي والقهوة ومفتاح المشروبات المثلجة،تمسح حيات العرق من فوق جبينها،تحاول أن تبحث عن ابتسامة هاربة…تتسابق مع الزمن والزحام..تحاول أن تبحث عن زبائن بطرفة عين وسط أمواج البشر ….”(20) حتى تلتقي بشاب جنوبي تبقى بعد رحيل المصطافين على غير عادة رواد البحر بعد رحيل الصيف ولشيء مشترك يوحد بينهما كما وحد شيء مشترك بينها وبين العجوز تعرف قصته”حدثها عن بلاد الجنوب الواقعة في حضن النيل ….عن آمال كبيرة كان يعقدها أبوه عليه …عن تفوق في الجامعة ليحقق حلم أبيه… عن واقع لا يعرف التفوق والأحلام ……………….حتى قراره أن يبحث عن وطن بديل ويخمل الأصلي في القلب”(21) هذه القصة تمثل أجمل الملامح في هذه المجموعة ،عن الموقف التراجيدي القسري والذي تفرضه الطبيعة فرضا على الإنسان..وقد اختارالكاتب لحظة فارقة في الزمن بين الشتاء والصيف ونقطة فارقة في المكان بين آخر اليابسة وأول الماء،و ثلاث مستويات عمرية تسلم بعضها بعضا لواء الصراع …،وكأنه قدر حتمي على الإنسانية تتوارثه جبلا فجيلا لابديل عنه…؛وإن كان لابد من كلمة فلتترفق بهذه الصغيرة يا بحر /فلا هي البحار الذي يجوب البحار طلبا للثأر من حوت التهم ساقه ليصلب نفسه عليه حين يفشل في قتله ….(22) ولا هي التي أخطأت في حق الآلهة لتكتب عليها التيه في البحر …إنها فتاة جمال التلاوي الصغيرة المعدمة
ترفق
بها
يا
بحر”..هذه وصيتي..
المراجع
(1)و(3) واقعية بلا ضفاف روجيه جارودي مكتبة الأسرة 98
(2)و (13) التراجيديا والثورة الأبدية يسري الجندي كتا ب الجمهورية عدد سبتمبر 2006
(22)الحوت الأبيض ترجمة محمود عباس
(23) الأوديسا والالياذةلهيموريس
باقي القطع المنصصة بأرقام من المجموعة وصيتي للبحرجمال نجيب التلاوي الهبئة العامة لقصور الثقافة 2013المؤتمر لعام لأدباء مصر الدورةالثامنة والعشرون
معد القراءة











