اختلف الكتاب والسياسيون في تحديد دوافع الحرب التي يشنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إيران، هناك من يروا أنها دوافع جيوسياسية لدعم إسرائيل في سباق النفوذ الإقليمي على الشرق الأوسط وعرقلة البرنامج النووي الإيراني والسيطرة على الموارد النفطية والممرات المائية، وهناك من يروا أنها حرب دينية لتمكين اليمين الصهيوني الحاكم في إسرائيل من إنشاء إسرائيل الكبرى وهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث للإسراع بعودة المسيح وفق السردية التوراتية.
ورغم ما تدعيه الولايات المتحدة عن ضرورة فصل الدين عن الدولة والسياسة بمقتضى أنها دولة علمانية، ورغم انتقادها الدائم لما تسميه (نظام الملالي) في إيران القائم على أسس دينية أيديولوجية مذهبية، فإن لجوء ترامب ومعاونيه إلى توظيف الدين بشكل واسع واستخدامه غطاء للحرب، بصرف النظر عن دوافعهم، سياسية أم دينية، صار أمرا واضحا لا ريب فيه، يستهدف من وجهة نظرهم تعبئة الدعم الداخلي وتبرير العمليات العسكرية وتشكيل السرديات التي تهون على الأمريكيين قبول التضحيات البشرية والمادية مع اتساع نطاق الحرب.
لقد دأب الرؤساء الأمريكيون السابقون إلى طلب بركة الرب في أوقات الحرب، والصلاة من أجل جنودهم المتجهين إلى المعارك، لكنهم كانوا يتجنبون التصريح بأي أهداف دينية لحروب الشرق الأوسط، كي يتيسر لهم نزع الشرعية عن الخصوم الذين يدعون إلى الجهاد، وكانوا يدركون أن إضفاء صبغة مسيحية على الصراع مع أية دولة مسلمة من شأنه أن يستنفر الحماس الديني لدى الآخرين، ويخلق تعقيدات سياسية للدول الإسلامية الحليفة، وهو ما لم تهتم به إدارة ترامب التي بالغت في توجهاتها الدينية، وقوضت التقاليد الأمريكية الراسخة، وعمدت إلى تغطية حربها ضد إيران بغطاء ديني، زاعمة أنها تخوض حربا مقدسة بتأييد إلهي.
الولايات المتحدة دولة علمانية دستوريا، لكن تأثير المسيحيين الصهيونيين اكتسب قوة عظيمة خلال عهد ترامب، حيث يرى ملايين الإنجيليين أن دعم إسرائيل يسرع بعودة المسيح، وهناك مجموعات دينية مثل (مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل) صار لها تأثير واضح على السياسة يضارع تأثير اللوبيات السياسية الإسرائيلية، وكانت هذه المجموعات في طليعة الداعمين لصفقة القرن ونقل السفارة الأمريكية الى القدس أثناء رئاسة ترامب الأولى.
ويعكس تزايد النزعة الدينية في إدارة ترامب تصلبا في أيديولوجية الحزب الجمهوري وتأثيرا لعقيدة إنجيلية أكثر تطرفا، وتزامن ذلك مع صعود حركة قومية متعصبة بعنوان (لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا)، ومع تولي بيت هيجسيت وزارة الدفاع وتحويلها إلى وزارة الحرب زاد نفوذ المسيحية الصهيونية داخل الجيش الأمريكي، وصدرت آلاف الشكاوى من جنود أمريكيين تفيد بأن قادتهم يستخدمون خطابا مسيحيا متطرفا لتبرير الحرب، حيث يخبرونهم بأن الحرب مع إيران “جزء من خطة إلهية”، ويحدثونهم عن الحرب الصليبية وسفر الرؤيا وهرمجدون ونبوءات آخر الزمان الواردة في الكتاب المفدس، ويصفون لهم الرئيس ترامب بأنه “مقاتل مقدس” و”ممسوح من يسوع”.
وتتحدث تقارير صحفية أمريكية عن استخدام إدارة ترامب للدين أداة سياسية وأيديولوجية في الحرب مع إيران، وتوظيف الرموز الدينية والآيات المقدسة ضمن التصريحات والفعاليات المتعلقة بالحرب حتى داخل الكونجرس، وارتباط إدارة ترامب بالقيم الصهيونية التي ترى الحرب جزءا من حتمية قدرية لاستكمال مشيئة الرب في هزيمة الأشرار، وترى في ترامب مبعوثا إلهيا لتنفيذ المشيئة الربانية.
وفي الغالب يعمد ترامب إلى أن ينهي حديثه بعبارات دينية مثل “المجد لله” مثلما كان يفعل قادة الحروب الصليبية، وفي مفارقة أثارت الجدل استخدم ذات مرة عبارة “الحمد لله” باللغة الإنجليزية في سياق تهديده لإيران، وهو ما اعتبرته منظمات إسلامية استخداما ساخرا للدين، كما وصف إنقاذ طيار أمريكي في إيران بأنه “معجزة عيد الفصح”، بينما قارن هيجسيت عملية الإنقاذ بـ “صلب المسيح وقيامته”.










